تحويل مادبا إلى إقليم سياحي.. دعوات واقعية أم سابقة لأوانها؟

مادبا– تتجدد الدعوات الشعبية والنيابية لتحويل محافظة مادبا إلى إقليم سياحي تنموي، في ظل ما تمتلكه المحافظة من مقومات دينية وتاريخية وأثرية، يقابلها محدودية في انعكاس العوائد السياحية على الواقع الاقتصادي والاجتماعي للسكان.

ويطالب معنيون وعاملون في القطاع السياحي بنموذج تنموي جديد يضمن توزيعا أوسع لعوائد السياحة، ويعزز فرص العمل، ويرفع مدة إقامة الزوار، في وقت تبدي فيه الحكومة تحفظا على خيار الأقاليم، مفضلة صيغا إدارية بديلة.
وتحظى مادبا بمكانة خاصة على خريطة السياحة الأردنية، إذ تعد معتمدة دوليا كموقع للحج المسيحي، وتضم مواقع ذات بعد ديني وإنساني عميق، مثل جبل نيبو وقلعة مكاور، إلى جانب قربها من موقع المعمودية (المغطس) والبحر الميت، فضلا عن كنائسها البيزنطية ومساجدها التاريخية، وتنوعها البيئي، وقربها الجغرافي من العاصمة عمان.
ويرى مختصون “أن تحويل محافظة مادبا إلى إقليم سياحي تنموي بات ضرورة لا تحتمل التأجيل، في ظل محدودية الفرص الاقتصادية وارتفاع نسب البطالة، خصوصا بين الشباب”، مؤكدين في الوقت ذاته “أن مادبا، رغم شهرتها السياحية، ما تزال تعيش مفارقة واضحة بين حجم الإمكانات المتاحة ومستوى الاستفادة الفعلية منها”.
وأشاروا إلى “أن مادبا ليست مجرد محطة عبور سياحي، بل مدينة قادرة على استقطاب الزوار للإقامة والتفاعل مع المكان، إذا ما توفرت بنية تحتية مناسبة وخدمات متكاملة تشمل النقل، والمرافق العامة، والمساحات الثقافية، والأنشطة التفاعلية”.
نتائج العوائد السياحية
كما أكدوا “أن أي تحول نحو نموذج إقليمي أو إداري خاص يتطلب إطارا قانونيا واضحا يحدد الصلاحيات، وينظم العلاقة بين الجهات الرسمية والبلديات والقطاع الخاص، ويضمن توجيه الاستثمارات بما يخدم التنمية المحلية”.
وأضافوا أنه رغم مقومات مادبا، فإن العوائد السياحية لم تنعكس بالشكل المأمول على الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمحافظة، ما عزز الدعوات إلى البحث عن نموذج تنموي جديد أكثر عدالة واستدامة، بينما يشكل العاملون في القطاع السياحي القاعدة الأساسية لأي تحول تنموي مرتقب؛ فمن المرشدين السياحيين إلى أصحاب النزل الصغيرة والمطاعم، ومن الحرفيين إلى سائقي الحافلات ومقدمي الخدمات، ترتبط حياتهم اليومية بحركة الزوار، ويعتمد دخلهم بدرجة كبيرة على مواسم قصيرة ومتذبذبة.
ولفتوا إلى أن هؤلاء يواجهون تحديات تتعلق بضعف التدريب، وغياب الاستقرار الوظيفي، وارتفاع كلف التشغيل، إضافة إلى محدودية فرص التطوير والدعم، في حين أن تحويل مادبا إلى إقليم سياحي تنموي من شأنه أن ينقلهم من هامش الموسمية إلى فضاء الاستدامة، ويوفر بيئة عمل أكثر استقرارا، ويعزز فرص التدريب والتأهيل، ويتيح لهم المشاركة في صياغة هوية سياحية متكاملة للمحافظة.
وفي هذا السياق، يؤكد رئيس مجلس إدارة جمعية وكلاء السياحة والسفر محمود الخصاونة “أن الموقع الإستراتيجي الذي تتمتع به مادبا يؤهلها بوضوح لأن تكون إقليما سياحيا متكاملا”، مشيرا إلى “أن جميع السياح الذين يزورون الأردن يمرون بمادبا بحكم موقعها على المسار السياحي الرئيس للمملكة”.
وأضاف الخصاونة “أن أهمية مادبا تتعزز بمكانتها في السياحة الدينية، لوجود موقعين معتمدين للحج المسيحي، هما جبل نيبو وقلعة مكاور، اللذان اعتمدهما الفاتيكان، إلى جانب قربها من المغطس والبحر الميت، ما يجعلها نقطة ارتكاز طبيعية لسياحة دينية وعلاجية وثقافية متكاملة”.
أبعاد اجتماعية وتنموية
وبحسب رئيس جمعية تطوير السياحة والحفاظ على التراث في مادبا سامر الطوال، فإن “الاستثمار الحقيقي في السياحة يبدأ من الإنسان، باعتباره الواجهة الأولى للمكان”، مشددا على “أن حماية التراث لا يمكن فصلها عن تحسين مستوى معيشة السكان وتوفير فرص العمل”.
وأشار الطوال إلى “أن الجمعية تعمل على مبادرات للتدريب وبناء القدرات ورفع الوعي بأهمية السياحة المسؤولة التي توازن بين التنمية والحفاظ على الهوية الثقافية”، مؤكدا “أن نجاح أي مشروع سياحي مرهون بمدى ارتباطه بالمجتمع المحلي”.
وأضاف “أن الاستثمار في مادبا لا يقتصر على تحقيق عائد مالي، بل يحمل بعدا اجتماعيا وتنمويا يتمثل في خلق فرص عمل وتنشيط الاقتصاد المحلي وربط المشاريع بالمجتمع”.
ومن وجهة نظر الخبير السياحي هيثم خزاعلة، فإن “مادبا تمتلك مقومات ثقافية وتاريخية تؤهلها لتكون عاصمة سياحية متخصصة”، لكنه يعتبر “أن تحويلها إلى إقليم أو سلطة سياحية مستقلة ما يزال فكرة سابقة لأوانها عمليا، لغياب الإدارة الموحدة والرؤية الاستثمارية، إضافة إلى ضعف البنية التحتية السياحية ونقص النقل الداخلي وتشوهات عمرانية تمس محيط المواقع الأثرية”.
ويقترح خزاعلة بديلا يتمثل في “إنشاء سلطة سياحية ثقافية خاصة بمادبا، بصلاحيات محددة تركز على حماية التراث وتنظيم الاستثمار وتحسين تجربة الزائر، دون الدخول في تعقيدات الأقاليم الإدارية”.
وعلى الصعيد التشريعي، طرح النائب عيسى نصار الكرادشة سؤالا نيابيا على الحكومة حول إمكانية تحويل محافظة مادبا إلى إقليم سياحي تنموي، إلا أن الرد الحكومي جاء بعدم وجود إمكانية لذلك في الوقت الحالي، خشية فتح الباب أمام مطالب مماثلة من محافظات أخرى.
تحسين مستوى الخدمات
وفي سياق المطالبات السابقة، كان نائب رئيس بلدية مادبا الكبرى السابق، المحامي أكثم خلف حدادين، قد دعا الحكومة إلى إعلان مادبا إقليما تنمويا سياحيا، لما لذلك من أثر في جلب الاستثمارات وتنويع أنماط السياحة وتوفير فرص عمل لأبناء المحافظة.
وأكد حدادين أن رفع مدة إقامة السائح مرهون بتحسين مستوى الخدمات وتنوع المنتج السياحي.
إلى ذلك، أكد رئيس لجنة بلدية مادبا الكبرى، المهندس هيثم جوينات “أن هناك جهودا لتعزيز التنمية المستدامة، وتهيئة البنية التحتية السياحية والخدماتية بما يطيل مدة إقامة السائح في مادبا”.
وأشار إلى “أن مادبا، التي تأتي بعد البترا على خريطة السياحة الأردنية، تتميز بمقومات طبيعية وثقافية تجعلها مركز استقطاب سياحي متنوع”، مشددا في الوقت ذاته، على “أهمية التعاون مع الجهات الرسمية والمجتمع المحلي لضمان أن تبقى المدينة وجهة آمنة وجذابة، تجمع بين الموروث الحضاري والحياة العصرية المستدامة”. وأضاف جوينات “أن البلديات تركز على مشاريع بيئية وخدماتية مبتكرة، تشمل إدارة النفايات، وتحسين المسارات السياحية، وضبط تدفق المياه بما يتوافق مع متطلبات السياحة البيئية، لضمان تجربة سياحية متكاملة تواكب معايير السياحة العالمية”.

 أحمد الشوابكة/ الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة