“ثالثة النواب” في تشرين الثاني.. الضمان والعمل والموازنة تثقل كاهل البرلمان

عمان- مع صدور الإرادة الملكية السامية بإرجاء اجتماع مجلس الأمة إلى الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، تتحدد بصورة رسمية نقطة انطلاق الدورة العادية الثالثة لمجلس النواب الـ 20، بما يحمله ذلك من استحقاقات دستورية تبدأ بافتتاح الدورة وانتخاب رئيس مجلس النواب والمكتب الدائم واللجان الدائمة، قبل أن ينتقل المجلس إلى ملفات تشريعية ورقابية واقتصادية واجتماعية ينتظر أن تجعل الدورة واحدة من أكثر دورات المجلس ازدحامًا.

والإرجاء إلى الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر) يستند إلى المادة 78 من الدستور، التي تحدد الأول من تشرين الأول (أكتوبر) موعدًا أصليًا لدعوة مجلس الأمة إلى الاجتماع، لكنها تمنح جلالة الملك صلاحية إرجاء الاجتماع بإرادة ملكية إلى تاريخ يحدد فيها، على ألا تتجاوز مدة الإرجاء شهرين.
والأهم دستوريًا أن المادة نفسها تنص على أن الدورة العادية تبدأ في التاريخ الذي يدعى فيه مجلس الأمة إلى الاجتماع، وتمتد ستة أشهر، ويجوز للملك تمديدها مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر لإنجاز ما يكون هنالك من أعمال.
وبناء على ذلك، فإن بدء الدورة في 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 2026 يعني أن مدتها الأصلية تمتد حتى 2 أيار (مايو) 2027، ما لم يقرر جلالة الملك تمديدها، وفي هذه الحالة يمكن أن تمتد مدة التمديد إلى ثلاثة أشهر كحد أقصى، لتصل في أقصى حالاتها إلى 2 آب (أغسطس) 2027. وعند انتهاء الأشهر الستة أو أي تمديد لها، يفض الملك الدورة وفقًا للمادة 78.
وهنا ينبغي التمييز بين إرجاء اجتماع المجلس قبل بدء الدورة وتأجيل جلساته بعد انعقادها. فالمادة 81 من الدستور تنص على أن للملك تأجيل جلسات مجلس الأمة ثلاث مرات، وإذا كان قد أرجئ اجتماع المجلس بموجب المادة 78 فمرتين فقط، على ألا تزيد مدد التأجيلات خلال الدورة العادية الواحدة على شهرين بما في ذلك مدة الإرجاء، ولا تدخل مدد التأجيلات في حساب مدة الدورة.
أما افتتاح الدورة، فيتم وفق المادة 79 بإلقاء خطبة العرش في مجلس الأمة مجتمعًا، وبعد ذلك تبدأ الاستحقاقات الداخلية لمجلس النواب، وفي مقدمتها انتخاب رئيس المجلس؛ إذ تنص المادة 69 على أن مجلس النواب ينتخب في بدء الدورة العادية رئيسًا له لمدة سنة شمسية واحدة ويجوز إعادة انتخابه.
وبذلك سيكون الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر) موعدًا لافتتاح دورة جديدة، لكنه في الوقت ذاته موعد لاستحقاق نيابي داخلي يتمثل في انتخاب رئيس المجلس والمكتب الدائم، ثم ترتيب عمل اللجان الدائمة وأولويات المجلس التشريعية والرقابية.
وعلى مستوى جدول الأعمال، لن يكون أمام النواب وقت طويل قبل أن تفرض الملفات الاقتصادية والاجتماعية والتشريعية نفسها، وفي مقدمتها مشروع قانون الموازنة العامة لعام 2027، الذي سيحضر بقوة على أجندة الدورة، لا سيما أن الحكومة بدأت مبكرًا إجراءات إعداد موازنات الوزارات والدوائر الحكومية للعام المقبل لتقديم الموازنة في موعدها الدستوري وإقرارها قبل نهاية العام.
ويأتي مشروع قانون الضمان الاجتماعي المعدل في مقدمة الملفات التشريعية ذات الطبيعة الحساسة، بعدما كان المجلس قد أحال المشروع في الدورة العادية الثانية إلى لجنة العمل والتنمية والسكان بعد قراءة أولية له.
ويتضمن المشروع تعديلات واسعة تتصل بالتقاعد المبكر والوجوبي، والاشتراكات، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، إلى جانب أحكام تخص المهن الخطرة والغرامات وشمول فئات جديدة.
والضمان تحديدًا مرشح لأن يأخذ مساحة واسعة من النقاش النيابي والمجتمعي، ليس فقط بسبب اتساع نطاق أحكامه، وإنما لارتباطه المباشر بملفات التقاعد وسوق العمل واستدامة منظومة التأمينات الاجتماعية، الأمر الذي يجعل مناقشته اختبارًا لقدرة المجلس والحكومة على الوصول إلى صيغة تشريعية تراعي مختلف المصالح والحقوق.
كما يحضر قانون العمل ضمن الملفات المنتظرة، في ظل الحاجة إلى مواصلة تحديث التشريعات الناظمة لعلاقات العمل وسوق العمل، بما يضع النواب أمام نقاش يتصل بحقوق العمال وأصحاب العمل والتشغيل والحماية الاجتماعية وتنظيم العلاقة بين أطراف الإنتاج.
وفي السياق التشريعي والسياسي، يبرز كذلك مشروع القانون المعدل لقانون الهيئة المستقلة للانتخاب، الذي أقره مجلس الوزراء مشروعه في أيلول (سبتمبر) الماضي، تمهيدًا للسير بإجراءات إقراره.
ويتضمن المشروع تعديلات على اختصاصات الهيئة ومهامها، ومواعيد الاقتراع، وتنظيم بعض الحالات المتعلقة بإلغاء أو تأجيل الاقتراع، إلى جانب تنظيم الدعاية الانتخابية الرقمية وأوضاع موظفي الهيئة، بما ينسجم مع التطورات التي شهدتها منظومة التحديث السياسي.
وتكتسب تعديلات قانون الهيئة المستقلة أهمية خاصة لأنها تأتي في سياق استكمال البناء التشريعي لمنظومة التحديث السياسي، فيما نص الدستور في المادة 84 على أغلبية الثلثين في القوانين الناظمة للانتخاب والأحزاب السياسية والهيئة المستقلة للانتخاب، وهو ما يجعل هذا النوع من التشريعات مختلفًا عن القوانين العادية من حيث متطلبات إقرارها.
وبين الموازنة والضمان والعمل والهيئة المستقلة للانتخاب، ستكون الدورة الثالثة أمام حزمة ملفات لا تقتصر آثارها على الجانب التشريعي، وإنما تمتد إلى الاقتصاد وسوق العمل والحماية الاجتماعية والاستحقاقات السياسية المقبلة.
ولهذا فإن الإرجاء إلى 2 تشرين الثاني (نوفمبر) لا يختصر فقط في نقل موعد الانعقاد من بداية الشهر إلى الثامن عشر منه، بل يحدد تاريخًا دستوريًا تبدأ منه دورة مدتها ستة أشهر، وتبدأ معه في الوقت ذاته عملية إعادة ترتيب البيت النيابي، من انتخاب رئيس المجلس والمكتب الدائم إلى تشكيل اللجان وتحديد أولويات العمل، قبل أن يدخل المجلس في اختبار جديد بين حجم الملفات المطروحة والوقت الدستوري المتاح لإنجازها.

 

 جهاد المنسي / الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة