جرش.. أحداث الإقليم تضع القطاعين السياحي والتجاري في حالة قلق وترقب

جرش – لم يكن العاملون في القطاع السياحي بمحافظة جرش، يتوقعون أن يمر موسم جديد وهم مثقلون بكل هذا القدر من القلق والخوف والركود، فبعد سنوات طويلة من الأزمات المتتالية التي أنهكت هذا القطاع الحيوي، جاء التصعيد العسكري والتوترات السياسية في المنطقة ليضيف عبئا جديدا على كاهل المستثمرين والعاملين في السياحة، ويضع علامات استفهام كبيرة حول مستقبل موسم كان يعول عليه كثيرا لتعويض خسائر الأعوام الماضية، خصوصا مع اقتراب نهاية شهر رمضان الذي عادة ما يشكل بداية الحركة السياحية النشطة في الربيع.

فاليوم، يقف القطاع السياحي في جرش، حاله كحال قطاع السياحة في مختلف المواقع في المملكة، أمام تحد جديد، في وقت لم يلتقط فيه أنفاسه بعد من سلسلة الأزمات التي ضربت المنطقة خلال السنوات الأخيرة، ما جعل العديد من المشاريع السياحية الصغيرة والمتوسطة تقف على حافة الانهيار، فيما يخشى أصحابها من أن يؤدي استمرار التوترات الإقليمية إلى تبخر آمالهم بموسم سياحي يعيد بعض الحياة إلى هذا القطاع.
ووفق الخبير السياحي الدكتور يوسف زريقات، “فإنه مع تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة، يعيش العاملون في القطاع السياحي حالة من الترقب والقلق، فالسياحة من أكثر القطاعات حساسية تجاه الأوضاع السياسية والأمنية، وغالبا ما تكون أول القطاعات التي تتأثر بأي توتر إقليمي، حتى وإن كانت الدولة نفسها بعيدة عن بؤرة الصراع”.
وأكد زريقات “أن الأخبار المتلاحقة عن الحروب أو التوترات السياسية تدفع الكثير من السياح إلى إعادة النظر في خطط سفرهم، خصوصا السياح الأجانب الذين يربطون أحيانا بين المنطقة ككل وبين بؤر الصراع فيها، ما يؤدي إلى تراجع الحجوزات وإلغاء الرحلات السياحية”.
وأضاف زريقات “ينعكس هذا الواقع مباشرة على الفنادق والمطاعم وشركات السياحة والنقل السياحي، إضافة إلى مئات المهن المرتبطة بهذا القطاع، بدءا من الأدلاء السياحيين وصولا إلى أصحاب الحرف اليدوية والمتاجر الصغيرة في المدن السياحية”.
“القطاع السياحي لم يتعاف بعد”
أما الدليل السياحي أنس العياصرة، فيؤكد من جهته، “أنه كان العاملون في القطاع السياحي يعولون كثيرا على الموسم السياحي الذي يبدأ عادة بعد شهر رمضان ومع دخول فصل الربيع، حيث تنشط الرحلات الداخلية والسياحة العربية، إضافة إلى المجموعات السياحية الأجنبية التي تزور المواقع الأثرية والطبيعية”.
وأشار إلى “أن التصعيد السياسي والعسكري في المنطقة ألقى بظلاله على هذه التوقعات، ما دفع العديد من المستثمرين والعاملين في القطاع السياحي من حرفيين وأدلاء سياحيين وأصحاب مشاريع سياحية إلى القلق من أن يتكرر سيناريو المواسم السابقة التي تراجعت فيها أعداد السياح بشكل ملحوظ نتيجة الظروف الإقليمية”.
وأضاف العياصرة “أن القطاع السياحي لم يتعاف بعد من سلسلة الأزمات التي تعرض لها خلال السنوات الماضية، إذ مر بظروف صعبة بدأت بتداعيات الأزمات الاقتصادية العالمية، مرورا بجائحة كورونا التي أوقفت السياحة العالمية لفترة طويلة، ثم تبعتها اضطرابات سياسية وأمنية في المنطقة أثرت على حركة السفر. وهذه الأزمات تركت آثارا عميقة على القطاع، حيث أغلقت العديد من المنشآت السياحية أبوابها، فيما تراكمت الديون على مشاريع أخرى، واضطر بعض المستثمرين إلى تقليص أعمالهم أو تسريح موظفين لتقليل الخسائر”.
ولفت أيضا إلى “أن الكثير من المشاريع السياحية الصغيرة، مثل المطاعم الشعبية وبيوت الضيافة والمتاجر السياحية، تعتمد بشكل أساسي على المواسم السياحية لتعويض الركود الذي تشهده خلال بقية أشهر السنة. وفي ظل هذه الظروف، يواجه العديد من أصحاب المشاريع السياحية خطر الانهيار الكامل، لا سيما أولئك الذين استثمروا مدخراتهم أو اقترضوا لإنشاء مشاريع سياحية كانوا يأملون أن تكون مصدر دخل مستقر”.
“عودة القلق إلى الواجهة”
إلى ذلك، يقول المستثمر محمد العفيف “إن المستثمرين كانوا ينتظرون الموسم السياحي المقبل بفارغ الصبر لتعويض جزء من خسائر السنوات الماضية، لكن التطورات السياسية الأخيرة أعادت حالة القلق إلى الواجهة، فالفنادق الصغيرة والمطاعم القريبة من المواقع السياحية وشركات النقل السياحي وحتى الباعة المتجولون جميعهم يعتمدون بشكل كبير على حركة السياحة، وأي تراجع فيها يعني خسائر مباشرة لهم”.
وأوضح العفيف “أن السياحة ليست مجرد قطاع اقتصادي فحسب، بل هي مصدر رزق لآلاف الأسر التي تعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على هذا النشاط، ففي المدن السياحية والبلدات القريبة من المواقع الأثرية والطبيعية توفر السياحة فرص عمل كثيرة للشباب، سواء في الفنادق أو المطاعم أو الإرشاد السياحي أو بيع المنتجات المحلية. لكن تراجع الحركة السياحية يؤدي غالبا إلى تقلص هذه الفرص، ما ينعكس سلبا على الوضع الاقتصادي والاجتماعي في تلك المناطق”.
وبحسب المتحدث باسم تجار السوق الحرفي أحمد الصمادي، “فإنه في ظل التحديات التي يواجهها القطاع، يرى بعض العاملين أن السياحة الداخلية قد تشكل طوق نجاة مؤقتا للمشاريع السياحية، خصوصا خلال فترات الأزمات التي تتراجع فيها السياحة الخارجية، فالأسر الأردنية غالبا ما تلجأ إلى زيارة المواقع السياحية والمتنزهات خلال العطل والمواسم، ما يساعد في تحريك عجلة الاقتصاد المحلي ولو بشكل محدود”.
ويرى الصمادي “أن هذا الخيار يبقى غير كاف لتعويض التراجع الكبير في السياحة الخارجية، التي تشكل ركيزة أساسية للقطاع السياحي. وفي ظل الظروف الراهنة يطالب العاملون في القطاع السياحي بضرورة تقديم دعم حقيقي للمشاريع السياحية، خصوصا الصغيرة والمتوسطة منها، حتى تتمكن من الصمود في وجه الأزمات. ومن الممكن أن يشمل ذلك تسهيلات مالية أو تخفيف بعض الرسوم والضرائب، إضافة إلى إطلاق حملات ترويجية للسياحة الداخلية والخارجية”.
كما يؤكد عاملون في القطاع السياحي أهمية الاستعداد الدائم للتعامل مع الأزمات من خلال وضع خطط طوارئ تساعد القطاع على التكيف مع الظروف المتغيرة، لا سيما أن مستقبل الموسم السياحي مرتبط إلى حد كبير بتطورات الأوضاع السياسية في المنطقة، فاستقرار الأوضاع قد يعيد الثقة تدريجيا إلى السياح ويشجعهم على السفر، بينما قد يؤدي استمرار التوترات إلى مزيد من التراجع في الحركة السياحية.
ويواصل العاملون في القطاع السياحي انتظار انفراجة تعيد الحياة إلى مشاريعهم التي باتت مهددة بالتوقف، بعد سنوات طويلة من الصبر على الأزمات، ذلك أن السياحة التي لطالما كانت من أهم روافد الاقتصاد ومصدر فخر للمدن التاريخية والطبيعية تجد نفسها اليوم أمام اختبار صعب في ظل واقع إقليمي مضطرب وتحديات اقتصادية متزايدة، ما يجعل إنقاذ هذا القطاع ضرورة ملحة للحفاظ على آلاف فرص العمل وعلى استثمارات بنيت على مدى سنوات طويلة.

صابرين الطعيمات/ الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة