جرش.. “البركتين” معلم روماني في انتظار معادلة استثمارية تُنهي عقودا من التعثر والإغلاق

جرش – على مسافة قريبة جدا من صخب المدينة الأثرية في جرش، يقف موقع “البركتين” الأثري شاهدا على منظومة مائية وترفيهية رومانية فريدة كانت تشكل عماد الحياة القديمة.
غير أن هذا الموقع التاريخي ما يزال حتى اليوم يبحث عن دوره الغائب في المشهد السياحي الحديث، بعد أن تعاقبت عليه محاولات الاستثمار المتكررة دون أن تنجح في تحويله إلى منتج سياحي فاعل ومستدام، ليظل مغلقا وغير مستغل، في وقت تؤكد فيه الجهات الرسمية أن إعادة طرحه للاستثمار ما تزال قائمة عقب فسخ عقد المستثمر الأخير.
مفارقة واقعية وطروحات متكررة
ويكشف الواقع الميداني لموقع البركتين عن مفارقة واضحة؛ فالموقع الذي يفترض أن يشكل قيمة مضافة وينوع المنتج السياحي في جرش، ويمنح الزائر تجربة مختلفة عن الجولة التقليدية داخل المدينة الأثرية، ما يزال خارج الخدمة السياحية الفاعلة.
ويأتي ذلك في وقت تتحدث فيه الخطط الرسمية لتطوير السياحة عن ضرورة إطالة مدة إقامة الزائر، وربط معالم المحافظة ضمن مسارات متكاملة، وتمكين المجتمعات المحلية.
وتوضح مصادر في مديرية سياحة جرش أن الموقع طُرح للاستثمار في مناسبات عدة أمام عدد من المستثمرين، غير أن العروض والمشاريع المقدمة لم تكن بالجدوى التي تسمح باستدامة الاستثمار، وهو ما حال دون وصوله إلى مرحلة التشغيل المستدام، رغم قيمته الأثرية.
وتضيف أن المشكلة الأساسية لا تكمن في غياب الرغبة الرسمية، إذ تم تنفيذ محاولات متكررة للوصول إلى مستثمر، وإنما في التوصل إلى عرض استثماري متوازن وقابل للاستمرار؛ عرض يحقق المعادلة الصعبة بين الحفاظ على القيمة الأثرية للمكان وتحويله إلى منتج سياحي جاذب يحقق عائدا اقتصاديا مجديا للمستثمر وللمجتمع المحلي على حد سواء.
وكانت وزارة السياحة والآثار قد طرحت في العام 2023 عطاء لتأهيل وإدارة وتشغيل المنطقة المحيطة بالموقع، داعية أفرادا وشركات ومؤسسات وجمعيات ربحية وغير ربحية وتعاونية سياحية للتقدم لهذه الفرصة.
وتؤكد هذه الخطوات أن فكرة الاستثمار ليست وليدة اللحظة، بل تمتد لسنوات طويلة، حيث حاولت الجهات الرسمية مرارا إيجاد صيغة تشغيلية تعيد للموقع حضوره.
الإغلاق يضاعف الخسارة
ويبين خبراء أن موقع البركتين، الواقع على الطريق المؤدي إلى مخيم سوف، يضم حوضين مائيين رئيسين كانا يغذيان المدينة الأثرية بالمياه عبر شبكة أنبوبية معقدة، إلى جانب مدرج روماني صغير، وفق التعريف الرسمي للموقع، موضحين أن المصادر المحلية والأثرية تؤكد أهمية هذه المنطقة كجزء لا يتجزأ من شبكة المياه والمنشآت الرومانية في جرش، ما يمنح المكان خصوصية تاريخية وسياحية عالية في المحافظة.
ويؤكدون أنه، ورغم هذه المقومات والأهمية الأثرية، لم يتمكن الموقع من تثبيت قدميه على خارطة السياحة بوصفه مقصدا سياحيا مستقلا، إذ تعرضت جميع محاولات الاستثمار للتعثر، وكان آخرها العقد الذي انتهى بالفسخ بناء على طلب المستثمر نفسه، لتجد وزارة السياحة والآثار نفسها من جديد عند نقطة الصفر للبحث عن استثمار جديد.
ويرى الخبير السياحي وعضو مجلس محافظة جرش السابق، الدكتور يوسف زريقات، أن موقع البركتين يحمل قيمة سياحية وأثرية كبيرة، ويحتاج إلى تعامل مختلف باعتباره موقعا قادرا على تشكيل إضافة نوعية، وليس مجرد موقع أثري مغلق.
ويشدد زريقات على أهمية إدراج البركتين بوضوح على الخريطة السياحية وتزويده بالخدمات الأساسية للزوار ليكون جزءا حيويا من تجربة السائح، لافتا إلى أن وجود المدرج والمنشآت المائية يمنحه مقومات غنية لبناء تجربة مختلفة.
ويحذر زريقات من أن بقاء الموقع مهملا لعشرات السنين يعرضه للتدهور والخراب، ويحرم القطاع السياحي والمجتمع المحلي من فوائده، معتبرا أن إغلاق الموقع يضاعف الخسارة؛ فالآثار لا تتطلب الحماية من العبث فحسب، بل تتطلب إظهارها وإبراز قيمتها التاريخية للزوار، داعيا الجهات المعنية إلى العمل وفق رؤية متكاملة تشمل التأهيل والتجهيز والاستثمار والتسويق، ليتمكن الموقع من أداء دوره ضمن المسارات السياحية الرئيسة.
إجراءات عملية حاسمة
ويرى ناشطون أن إيجاد مسار سياحي يربط المدينة الحضرية بالمدينة الأثرية يتطلب إجراءات عملية حاسمة تسهم في تحسين تجربة الزائر وإطالة مدة إقامته في المحافظة، إلى جانب تشجيع الاستثمار وتمكين المجتمعات المحلية.
ويوضح الناشط الاجتماعي والمتابع للشأن السياحي هشام البنا أن الموقع يتطلب حلا جذريا لمشكلة التعثر الاستثماري، وعدم الاكتفاء بإعادة طرحه دوريا دون معالجة العقبات التي تواجه المستثمرين، مؤكدا ضرورة تسهيل الإجراءات وتوفير الدعم والتنسيق بين مختلف الجهات، لأن العمل في موقع أثري يختلف عن المساحات التجارية العادية، نظرا للاشتراطات الصارمة الخاصة بالحفاظ على الآثار، والتي تتطلب في المقابل توفير بنية تحتية وتسويقا وحركة زوار تضمن استمرارية المشروع.
ويضيف أن نجاح أي تجربة استثمارية يتطلب شراكة حقيقية بين القطاع العام والمستثمر والمجتمع المحلي، ما ينعكس إيجابا على المنطقة المجاورة عبر خلق فرص عمل وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي، مؤكدا أن المطلوب ليس مجرد البحث عن مستثمر، بل الوصول إلى نموذج استثماري قابل للحياة ومدعوم بخطة تسويق جادة، وربطه ببرامج الأفواج والمسارات السياحية المعتمدة، مع إدارة ملفات البنية التحتية والمياه والصيانة الأثرية بدقة.
ويؤكد الناشط نصر العتوم أن الاستثمار لا ينبغي أن يكون على حساب القيمة الأثرية، بل وسيلة لحمايتها وإظهارها، منبها إلى أهمية توضيح حدود مسؤوليات المستثمر مقابل مسؤوليات وزارة السياحة ودائرة الآثار العامة في الخطط المستقبلية.
ويضيف أن الموقع بحاجة إلى مشروع سياحي متكامل يبدأ بالحماية والتأهيل وتقديم الخدمات، وينتهي بالإدراج الفعلي ضمن البرامج والمسارات السياحية، إضافة إلى توفير دراسات جدوى حديثة تحدد طبيعة المشروع المطلوب وحجم الاستثمار المتوقع والدعم الحكومي المقدم، مع الاستفادة من دروس التجارب الاستثمارية السابقة.
ويلفت العتوم إلى أن موقع البركتين يعد نموذجا للمواقع التاريخية التي تبحث عن توازن دقيق بين الحماية والتنمية، وبقاؤه خارج دائرة التشغيل بمثابة فرصة مؤجلة قادرة، متى ما أُحسن استغلالها، على تقديم منتج جديد للزائر، وفتح آفاق استثمارية محلية، وتوفير فرص عمل تنعش الاقتصاد المحلي في جرش.

