جرش.. الورش المهنية تغتال هدوء الأحياء السكنية وتشوه المسار السياحي

جرش – تواجه مدينة جرش، المعروفة بعبقها التاريخي ومكانتها السياحية العالمية، تحديا حضريا وبيئيا متزايدا؛ فقد تحولت العديد من أحيائها السكنية العريقة إلى مناطق صناعية مفتوحة نتيجة الانتشار العشوائي لمحلات النجارة والحدادة وتصليح المعادن.
هذا التغلغل الصناعي لم يقتصر أثره على سلب السكان هدوءهم وسكينتهم، بل امتد ليشوه المشهد الجمالي للمدينة الرومانية الكبرى، محولا ممراتها السياحية الآمنة إلى بؤر للضجيج ومخلفات التصنيع.
ضجيج وتلوث.. معاناة يومية
لم يعد الإزعاج الصوتي هو الضريبة الوحيدة التي يدفعها سكان مناطق جبل الشيخ مصلح وظهر السرو وجبل العتمات ودير الليات، فالمعاناة اليومية باتت تشمل استنشاق غبار الخشب ونشارة المعادن، والتعايش مع هدير المطارق الكهربائية والمناشير التي لا تهدأ منذ الصباح الباكر وحتى ساعات متأخرة من الليل.
يبين مواطنون أن وجود هذه المحال وسط الأحياء السكنية لم يعد يقتصر على الإزعاج الصوتي فحسب، بل تعداه إلى التلوث البيئي، فانتشار الغبار ومخلفات الورش الصناعية والضجيج الذي تتسبب فيه المعدات الثقيلة والمناشير والمطارق الكهربائية يقض مضجعهم، موضحين أن تلك الورش والمعدات تعمل طوال اليوم وحتى ساعات متأخرة من الليل، الأمر الذي يزيد من معاناتهم خصوصا خلال شهر رمضان الذي يحتاجون فيه إلى الراحة والسكينة.
تقول هدى القادري، إحدى سكان جبل الشيخ مصلح: “لم نعد نشعر بالراحة داخل منازلنا، فالضجيج مستمر طوال اليوم، والغبار يدخل إلى البيوت رغم إغلاق النوافذ، وأصبحنا نخشى على أطفالنا من اللعب خارج المنزل، فضلا عن الإزعاج الذي تسببه هذه المهن لطلاب المدارس وكبار السن، وخطورة المركبات الكبيرة التي تقوم بتحميل وتنزيل المواد الخام، الأمر الذي يؤثر على الأطفال كون الأحياء السكنية تعج بالأطفال الذين لا يجدون سوى الطرقات ملاذا للعب فيها”.
وتشير إلى أن بعض الورش تستخدم مواد قابلة للاشتعال، مثل الدهانات والمذيبات والغازات، دون الالتزام بإجراءات السلامة، ما يرفع من احتمالية وقوع حرائق داخل الأحياء المكتظة بالسكان، مطالبين بضرورة إيجاد حل جذري للمشكلة التي يعاني منها سكان عدة أحياء.
ويرى عدد من سكان الأحياء المتضررة أن الأصوات المرتفعة، خصوصا في أوقات الراحة، تشكل معاناة حقيقية لكبار السن والمرضى والطلبة خلال فترات الدراسة، مؤكدين أن بعض الورش تحتل أجزاء من الأرصفة والطرقات لتخزين الأخشاب والحديد، ما يعيق حركة المشاة ويجبرهم على السير وسط الشارع مسببا خطرا على حياتهم.
ويؤكد أحمد العتوم أن نقل هذه الورش سيسهم في الحد من الضوضاء داخل الأحياء، وتقليل التلوث البيئي، وتحسين السلامة المرورية، فضلا عن إعادة الطابع السكني الهادئ للمناطق المتضررة، مشددا على أهمية تكاتف جهود جميع الأطراف المعنية لنقل هذه الورش إلى المدينة الحرفية كحل جذري لانتشارها العشوائي.
ويضيف عدم وجود حلول حاليا يضاعف من معاناة السكان مع دخول شهر رمضان المبارك، ما يتطلب تفعيل الرقابة الصارمة لمنع تحول أحياء جرش الهادئة إلى ورش صناعية مفتوحة للحفاظ على هوية المدينة السياحية وحق مواطنيها في بيئة آمنة وهادئة.
تحذيرات بيئية وصحية
يرى المختص بالشأن البيئي ورئيس جمعية الأرض والبيئة والإنسان محمد عارف ليحو أن وجود ورش صناعية داخل الأحياء السكنية يشكل تهديدا مباشرا للصحة العامة نتيجة الانبعاثات الناتجة عن عمليات اللحام والدهان والقص، والتي تحتوي على مواد ضارة قد تؤثر على الجهاز التنفسي، خصوصا لدى الأطفال وكبار السن، مضيفا أن تراكم المخلفات الصناعية في محيط هذه الورش يسهم في تشويه المظهر العام للأحياء، ويؤدي إلى انسداد مجاري تصريف المياه في فصل الشتاء، ما يزيد من خطر تجمع المياه وتلف البنية التحتية.
وتتصاعد مطالب المواطنين بنقل محال النجارة والحدادة إلى المدينة الحرفية التي أُنشئت خصيصا لاحتضان هذه الأنشطة، وتنظيم عملها ضمن بيئة مناسبة وآمنة، وهي موجودة وتخدم مدينة جرش بشكل خاص، لاسيما وأن هذه المحال والمهن انتشرت مؤخرا وظهرت بين الأحياء السكنية مثل منطقة جبل الشيخ مصلح ومنطقة ظهر السرو وجبل العتمات ودير الليات، وهي أحياء في مدينة جرش وتعتبر ممرات سياحية هامة للموقع الأثري.
نظام الترخيص الإلكتروني
يرى مراقبون أن أحد أهم أسباب انتشار محال النجارة والحدادة والمهن المزعجة داخل الأحياء السكنية، يعود إلى نظام الترخيص الإلكتروني الذي لا يميّز بشكل دقيق بين الأنشطة التجارية والمهن الصناعية، ولا يصنّفها وفق مستوى الإزعاج أو التأثير البيئي، الأمر الذي سمح بترخيص العديد من هذه الورش داخل المناطق السكنية دون مراعاة لطبيعتها.
ويؤكدان أن هذا الخلل في آلية الترخيص أسهم بشكل مباشر في تفاقم المشكلة، وزيادة أعداد المحال غير المناسبة لطبيعة الأحياء، ما يستدعي إعادة النظر في هذا النظام وتشديد الرقابة عليه، وربط الترخيص بالموقع الجغرافي والتصنيف المهني، بما يضمن حصر هذه المهن داخل المدينة الحرفية، ونقلها تدريجيا إليها حفاظا على راحة المواطنين وتنظيم المشهد الحضري.
يبين الناشط هشام البنا أن استمرار وجود هذه الورش داخل الأحياء يتعارض مع أهداف التخطيط الحضري، وهي مهن مزعجة لا يجوز ترخيصها داخل الوسط التجاري والأحياء السكنية، قائلا: “هذه المهن حصلت على تراخيص إلكترونية لم تصنفها كمصدر للإزعاج، وهو أمر مرفوض في الوسط التجاري والأحياء السكنية، بلدية جرش وفرت بديلا جاهزا ومخدوما وهو المدينة الحرفية التي تتسع لمئات الحرفيين، ومن الأولى حصر هذه الأنشطة داخل هناجر مخصصة بعيدا عن منازل المواطنين.”
ويضيف أن الرخص لهذه المهن المزعجة لا يتم ترخيصها أصلا داخل السوق والسوق العتيق، ويجب أن يتم تحديد مواقع عملها وهي مواقع بعيدة عن الأحياء السكنية كونها مصدر إزعاج وقلق وتلوث بيئي داخل الأحياء السكنية، ومن الأولى أن يتم تخصيص هناجر ومخازن خاصة فيها داخل المدينة الحرفية التابعة لبلدية جرش الكبرى.
من جانبه يقول مدير بلدية جرش الكبرى، المهندس علي شوقة، إن المهن المزعجة مثل الحدادة والنجارة ونتافات الدواجن ومحال الألمنيوم يتم منحهم حاليا رخص مؤقتة وغير دائمة، موضحا أنه لا يتوفر حاليا مواقع بديلة للعمل فيها ولا يوجد هناجر ومخازن فارغة في المدينة والحرفية، وقد قامت البلدية بوضع مشروع زيادة عدد المخازن والهناجر في المدينة الحرفية على موازنة هذا العام لغاية ترحيلهم إليها.
ويبين شوقة أن البلدية تضطر إلى منحهم الرخص كونها لم توفر بديلا مناسبا حاليا لنقلهم إليه، ولا تمنعهم من العمل بنفس الوقت، ولكن رخصهم مؤقتة ويتم متابعة مدى التزامهم بشروط السلامة العامة وطرق التخلص من النفايات بطريقة آمنة وغير مؤذية للسكان.

