جرش: خيبة أمل بأوساط مزارعي اللوزيات لتراجع الإنتاج

جرش- في الوقت الذي كان فيه مزارعو اللوزيات يترقبون موسما واعدا يعوض سنوات من التذبذب والخسائر، جاءت الظروف الجوية هذا العام لتقلب التوقعات رأسا على عقب، بعدما شهدت مناطق واسعة من المملكة، بما فيها محافظة جرش، تأخرا ملحوظا في دخول فصل الصيف، وتكرارا غير معتاد للمنخفضات الجوية خلال فترة حساسة من عمر الموسم الزراعي.

هذه التغيرات لم تكن عابرة، بل تركت آثارا مباشرة على الإنتاج، وجودة الثمار، وحتى على استقرار دخل المزارعين الذين يعتمدون بشكل أساسي على هذا القطاع كمصدر رزق.
ومنذ بداية الموسم، بدت المؤشرات غير مطمئنة، حيث تزامنت فترات الإزهار مع أجواء باردة وغير مستقرة، ما أثر على عملية التلقيح الطبيعي للأشجار، ومع استمرار تقلب الطقس وغياب الاستقرار الحراري الذي تحتاجه الأشجار لإتمام مراحلها الفسيولوجية بشكل طبيعي، بدأت علامات الضعف تظهر تدريجيا على المحصول، سواء من حيث كثافة العقد أو جودة الثمار.
وتعد مرحلة الإزهار من أهم المراحل في دورة إنتاج اللوزيات، حيث تعتمد بشكل كبير على درجات حرارة معتدلة وأجواء مستقرة لضمان نجاح التلقيح، إلا أن تكرار المنخفضات الجوية، المصحوبة برياح وأمطار في غير توقيتها المعتاد، أدى إلى تساقط نسبة كبيرة من الأزهار قبل إتمام عملية التلقيح، ما انعكس بشكل مباشر على كمية الإنتاج، وفق المهندس والخبير الزراعي هاني البكار.
وأضاف البكار، أن الأضرار لم تتوقف عند مرحلة الإزهار، بل امتدت لتشمل مرحلة نمو الثمار، حيث أدى تأخر ارتفاع درجات الحرارة إلى إبطاء عملية النضج، ما تسبب في تأخر الموسم عن موعده الطبيعي، وانعكس سلبا على جودة الثمار، التي جاءت في كثير من الحالات أقل حجما وأضعف من حيث الطعم والصلابة.
بدوره، قال المزارع عبد المحسن العياصرة: “كنا متأملين موسم خير، الأشجار كانت تحمل كميات كبيرة من الزهر، لكن التغيرات المناخية انعكست سلبا على كمية الزهر، لأنه في كل مرة تزهر الشجرة تتساقط بفعل المنخفضات الجوية المتتالية التي كانت محملة بالأمطار والرياح القوية والبرد، وتتساقط الأزهار قبل أن تعقد، الخسارة واضحة من أول الموسم”.
ويرى العياصرة، أن الثمر هذا الموسم ليس مثل كل سنة، فالحجم أصغر والطعم أضعف، وحتى التسويق أصبح أصعب، خصوصا أن التاجر يبحث عن نوعية ممتازة.
خسائر مالية واضحة
أما المزارع محمود العضيبات، فأكد أن هذه الظروف المناخية تسببت في خسائر مالية واضحة للمزارعين، الذين وجدوا أنفسهم أمام موسم ضعيف بعد أن تكبدوا تكاليف الإنتاج كاملة، من ري وتسميد ومكافحة، ومع انخفاض الإنتاج وجودة الثمار، تراجعت الأسعار في بعض الأحيان، أو أصبحت غير مجدية لتغطية التكاليف.
وأشار إلى أن الحالة المناخية ليست حالة عابرة، بل تأتي في سياق تغيرات مناخية متسارعة تؤثر بشكل مباشر على القطاع الزراعي، لا سيما المحاصيل الحساسة مثل اللوزيات، كون اللوزيات تعتمد بشكل كبير على التوازن المناخي، وأي خلل في درجات الحرارة أو توقيت الفصول يؤثر بشكل مباشر على الإنتاج، وأدى تأخر الصيف وكثرة المنخفضات خلال فترة الإزهار إلى ضعف التلقيح، وبالتالي انخفاض نسبة العقد.
وأضاف العضيبات، أن استمرار هذه الأنماط المناخية قد يؤدي إلى تراجع زراعة بعض الأصناف في المستقبل، أو الحاجة إلى استبدالها بأصناف أكثر تحملا للظروف المتغيرة.
كما قال المزارع والمهندس الزراعي أحمد القادري، إن الرطوبة الناتجة عن كثرة الأمطار أسهمت في زيادة انتشار بعض الأمراض الفطرية التي تصيب الأشجار والثمار، ما زاد من معاناة المزارعين، الذين اضطروا إلى تكثيف عمليات المكافحة، وبالتالي زيادة التكاليف.
وبحسب القادري، فإن “الرطوبة العالية بيئة مثالية لانتشار الأمراض، ومع ضعف الأشجار بسبب الطقس، أصبحت أكثر عرضة للإصابة، هذا زاد العبء على المزارع، سواء من ناحية الجهد أو التكلفة”.
وفي ظل هذه التحديات، أجمع المزارعون على ضرورة تدخل الجهات المعنية لدعمهم وتعويضهم عن الخسائر، سواء من خلال تقديم مساعدات مالية، أو دعم مستلزمات الإنتاج، أو توفير برامج إرشاد زراعي تساعدهم على التكيف مع الظروف المناخية المتغيرة.
وأضافوا، أن الحل لا يكمن فقط في التعامل مع آثار الموسم الحالي، بل في وضع استراتيجيات طويلة الأمد لمواجهة التغيرات المناخية، مثل تطوير أصناف زراعية مقاومة، وتحسين أنظمة الري، وتبني تقنيات حديثة في الزراعة.
كما شددوا على أهمية تعزيز دور الإرشاد الزراعي في توعية المزارعين بكيفية التعامل مع هذه الظروف، وتقديم حلول عملية تساعدهم على تقليل الخسائر في المواسم المقبلة.
ولفتوا إلى أن موسم اللوزيات هذا العام يقف على حافة الخسارة، في ظل تداخل عوامل مناخية غير مستقرة، وضعف الإمكانيات لدى المزارعين لمواجهة هذه التحديات، وبين طموحات موسم وفير وواقع إنتاج متراجع، يجد المزارع نفسه أمام معادلة صعبة، تتطلب دعما عاجلا وحلولا جذرية.
تحسين نمو الأشجار
من جهته، أكد المهندس بهجت السوالمة، مدير مشاتل فيصل التابعة لمديرية زراعة جرش، أن الموسم الزراعي الحالي يعد من المواسم الواعدة والمبشرة، في ظل الظروف المناخية التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الماضية.
وأشار إلى أن كميات الأمطار الوفيرة، إلى جانب تعاقب المنخفضات الجوية، أسهمت بشكل مباشر في تحسين نمو الأشجار ورفع جودة الثمار، إضافة إلى زيادة الكميات المتوقعة من الإنتاج، الأمر الذي ينعكس إيجابا على دخل المزارعين واستقرار القطاع الزراعي.
وأوضح السوالمة، أن التخوفات التي رافقت تأخر فصل الصيف لم يكن لها تأثير كبير على أشجار اللوزيات، خاصة أن نسبة كبيرة من الأشجار كانت قد تجاوزت مرحلة عقد الزهر قبل قدوم المنخفضات الجوية، ما أسهم في الحد من الأضرار المحتملة.
ومع ذلك، لفت إلى أن بعض المحاصيل الحساسة، وعلى رأسها أشجار الكرز، قد تتعرض لتأثيرات طفيفة تنعكس على جودة الثمار أو حجمها، ولكن ضمن حدود يمكن التعامل معها.
وأضاف السوالمة، أن أشجار اللوزيات بشكل عام ما تزال في حالة جيدة، وتظهر مؤشرات قوية على موسم إنتاج وفير، مدعومة بظروف مناخية متوازنة من حيث درجات الحرارة والرطوبة، مبينا أن تأخر فصل الصيف لم ينعكس سلبا بشكل كبير، نظرا لأن هذا التأخر كان عاما في مختلف المناطق، مع وجود فروقات بسيطة في مواعيد نضج الثمار تبعا لاختلاف الارتفاعات والظروف المناخية المحلية.
وفي سياق متصل، أشار السوالمة إلى أهمية استثمار هذا الموسم من خلال اتباع الممارسات الزراعية السليمة، مثل تنظيم الري، ومراقبة الآفات الزراعية، واستخدام الأسمدة بشكل متوازن، لضمان تحقيق أفضل إنتاجية ممكنة، داعيا المزارعين إلى الاستفادة من الإرشادات الزراعية الصادرة عن الجهات المختصة، خاصة في ظل التغيرات المناخية المتسارعة التي تتطلب وعيا أكبر في التعامل مع المواسم الزراعية.
وشدد على أن التغيرات المناخية أصبحت واقعا لا يمكن تجاهله، إلا أن تأثيرها هذا الموسم لم يكن سلبيا بشكل كبير، بل على العكس، كانت كميات الهطول المطري أفضل بكثير من حالات الانحباس المطري، وهو ما انعكس إيجابا على صحة الأشجار وجودة الإنتاج، ومنح المزارعين حالة من التفاؤل بموسم زراعي ناجح ومستقر.

 صابرين الطعيمات/ الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة