جلول”.. تل أثري يختزن خمسة آلاف عام من التاريخ

مادبا- من تخوم مادبا الشرقية، حيث تمتد السهول الرحبة وتتوالى التلال على امتداد الأفق في مشهد تتداخل فيه زرقة السماء بذهبية الحقول وحمرة الأرض، تبرز بلدة جلول بملامحها الريفية وامتدادها التاريخي، حاملة في تضاريسها شواهد على استقرار الإنسان وتعاقب الحضارات منذ آلاف السنين. هنا، عند تخوم السهول والبادية، لا تقف التلال مجرد تضاريس طبيعية، بل تختزن آثار الإنسان الذي استقر وزرع وبنى وترك بصماته في المكان عبر عصور متعاقبة.
وفي قلب هذا المشهد ينهض تل جلول الأثري، شاهدا على تاريخ موغل في القدم، إذ تشير الشواهد الأثرية إلى أن الوجود البشري في الموقع يعود إلى العصر البرونزي المبكر، واستمر عبر مراحل تاريخية متعاقبة وصولا إلى الوقت الحاضر، بما يمنحه قيمة حضارية وتاريخية تتجاوز خمسة آلاف عام.
وتقع جلول شرق مدينة مادبا، وتتبع إداريا لواء الجيزة في محافظة العاصمة، وتتميز بموقعها الجغرافي الذي يصل بين بيئة السهول الزراعية وامتدادات البادية، فيما عرفت المنطقة بخصوبة أراضيها وملاءمتها لزراعة الحبوب، الأمر الذي ساهم في استقرار التجمعات البشرية فيها منذ العصور القديمة.
وتناول عالم الآثار الأردني الأستاذ الدكتور زيدان كفافي، رئيس جامعة اليرموك الأسبق، تاريخ بلدة جلول وتلها الأثري في كتابه “خواطر من الآثار والتاريخ القديم”، متوقفا عند موقعها الجغرافي وامتدادها التاريخي وارتباطها بقبيلة بني صخر وعشيرة الزبن، فضلا عن طبيعة سهولها الخصبة التي شكلت بيئة ملائمة للاستقرار البشري وممارسة الأنشطة الزراعية، ولا سيما زراعة الحبوب.
ويأتي هذا التناول في سياق الاهتمام بتوثيق المواقع الأثرية وقراءة شواهدها التاريخية، بما يبرز مكانة جلول ضمن الخريطة الأثرية في وسط الأردن.
ويعد تل جلول من أبرز التلال الأثرية في وسط الأردن، إذ يبلغ طوله نحو 300 متر وعرضه قرابة 240 مترا، وقد استقطب اهتمام الرحالة والمستكشفين منذ القرن التاسع عشر، ومن بينهم زيتسن وبوركهارت وبكنغهام وتريسترام وشوماخر وموسيل، الذين أشاروا في كتاباتهم ورحلاتهم إلى الموقع وما يحيط به من معالم تاريخية وجغرافية.
وشهد الموقع لاحقا أعمال مسح أثري بقيادة الباحث روبرت إيباخ العام 1976، فيما بدأت التنقيبات الأثرية فيه العام 1992 ضمن مشروع سهول مادبا الأثري، بمشاركة عدد من الجامعات الأميركية ودائرة الآثار العامة الأردنية، لتكشف أعمال التنقيب عن مراحل للوجود البشري متعاقبة وشواهد مادية تسلط الضوء على طبيعة الحياة وأنماط الاستقرار في المنطقة خلال فترات تاريخية مختلفة.
ورغم هذه الأهمية الأثرية والتاريخية، ما يزال تل جلول بحاجة إلى مزيد من أعمال التنقيب والتوثيق والحماية والتأهيل، بما ينسجم مع قيمته الحضارية، ويضعه في المكانة التي يستحقها على خريطة السياحة الأثرية في الأردن.
ويطالب مواطنان من أبناء البلدة، محمد الزبن وعبد الله الزبن، الجهات المعنية بإيلاء جلول وتلها الأثري اهتماما أكبر، مؤكدين أن الموقع يمثل إرثا تاريخيا لا يخص أبناء البلدة وحدهم، بل يشكل جزءا من الذاكرة الحضارية الوطنية، ويستحق الحماية والرعاية والاستثمار السياحي المدروس.
وشددا على ضرورة حماية التل من أي تعديات قد تلحق الضرر بمكوناته الأثرية، واستكمال أعمال التنقيب والدراسة والتوثيق العلمي، إلى جانب تأهيل الطريق المؤدي إليه، وتوفير اللوحات التعريفية والإرشادية التي تتيح للزوار التعرف إلى تاريخ الموقع وأهميته، فضلا عن تحسين الخدمات الأساسية المحيطة به.
وأشارا إلى أن إدراج تل جلول ضمن المسارات السياحية في مادبا والجيزة من شأنه أن يفتح آفاقا جديدة أمام السياحة الثقافية، خصوصا إذا جرى ربطه بالمواقع الأثرية والتاريخية المجاورة، وتطوير مسارات متكاملة تتيح للزائر التعرف على تنوع الإرث الحضاري في المنطقة، بدلا من اقتصار الزيارات السياحية على المواقع الأكثر شهرة.
وأكد المواطنان أهمية إشراك المجتمع المحلي في أي خطط مستقبلية لتطوير الموقع، من خلال دعم المبادرات الثقافية والسياحية، وتشجيع إقامة المشاريع الصغيرة والخدمات المرتبطة بالزوار، بما يساهم في توفير فرص عمل لأبناء البلدة، وتحويل القيمة التاريخية للمكان إلى فرصة تنموية تعود بالنفع على المجتمع المحلي.
إن تل جلول ليس مجرد مرتفع أثري تتناثر فيه بقايا الماضي، بل موقع يحمل في طبقاته الشواهد على آلاف السنين من تاريخ الإنسان في هذه المنطقة، ويستحق أن ينتقل من دائرة التعريف النظري إلى الاهتمام العملي الذي يحميه ويكشف مزيدا من أسراره.

