حلم الذهب والدفائن يتحول إلى كابوس يعصف بحياة شباب في إربد

إربد – تحت جنح الظلام، وفي الوقت الذي تغط فيه محافظة إربد في سبات عميق، تنشط حياة موازية في الأراضي الخالية والمغارات القديمة، إذ ينطلق عدد من الشباب للبحث عن الدفائن الذهبية، مستندين إلى خرائط قديمة ورموز متوارثة.

ما يبدأ كحلم وردي بالثراء السريع والتحول من الفقر إلى الغنى في ليلة وضحاها، ينتهي في كثير من الأحيان بصرخات استغاثة تحت أنقاض تربة منهارة، أو خلف قضبان الزنازين، ليتحول “الوهم الذهبي” إلى كابوس يطارد الشباب وعائلاتهم.
ساعات من الحفر العميق، والإرهاق الجسدي، والقلق المستمر، تتخللها أحيانا انهيارات مفاجئة للتربة تؤدي إلى كسور، رضوض، أو حتى وفيات. ويتدخل الدفاع المدني بشكل متكرر لإنقاذ المنقبين من مواقف حرجة، بينما تظل المخاطر قائمة مع كل رحلة جديدة.
وتشير الإحصاءات إلى أن العديد من الإصابات والوفيات تم تسجيلها خلال السنوات الخمس الماضية نتيجة البحث العشوائي عن الدفائن في محافظة إربد وحدها، كان آخرها إصابة شابين بانهيار مغارة.
رحلة نحو المجهول
تبدأ رحلة البحث عادة بعد منتصف الليل، وتحديدا بين الساعة الواحدة والثانية صباحا، إذ يختار المنقبون هذا التوقيت بعناية، فهدوء الشوارع وبرودة الجو يمنحانهم شعورا زائفا بالأمان بعيدا عن أعين الرقابة.
يبدأ الشباب بمسح الموقع بعناية لتحديد النقاط الأكثر احتمالا، ومراقبة العلامات الطبيعية على الأرض، ودراسة الرموز القديمة على الصخور والخرائط.
ويعتمدون على أدوات يدوية أساسية مثل المعاول والمجارف والمطارق الصغيرة وأحزمة سلامة وأحيانا حبال مهترئة للنزول في شقوق ضيقة والمغارات مع مصابيح يدوية قوية لإضاءة الأماكن المظلمة.
على الرغم من المخاطر، يواصل الباحثون بحثهم مدفوعين بالحلم في العثور على دفين ثمين، مع الحرص على السلامة وتقييم المخاطر في كل خطوة لضمان حماية حياتهم وسلامة الموقع.
قصص من أرض الواقع
قال الشاب سامر، في أواخر العشرينيات من عمره، إنه لم يكن يؤمن كثيرا بقصص الدفائن، لكنه بدأ يقتنع تدريجيا بعد أن سمع روايات متكررة عن إشارات حجرية في منطقة مهجورة يقال إنها تعود للعهد العثماني، مضيفا أن ضيق الحال وقلة فرص العمل دفعاه إلى التفكير بالمحاولة، خاصة حين أقنعه أحد معارفه بأن الموقع “مضمون” وأن الأمر يحتاج فقط إلى بعض الجهد والحفر ليلا بعيدا عن الأنظار.
ويصف ليلته الأولى داخل مغارة قديمة بأنها كانت مزيجا من الحماس والخوف؛ فمع تعمق الحفر بدأت الصخور الصغيرة تتساقط من السقف قبل أن يحدث تصدع مفاجئ أربك الجميع.
أُصيب أحد أصدقائه برضوض، وشعر هو نفسه بصعوبة في التنفس بسبب الغبار وضيق المكان، ما اضطرهم إلى الخروج سريعا وترك الأدوات خلفهم.
ويؤكد أنه أعاد النظر في كل الفكرة، إذ لم يعد يرى في البحث عن الذهب مغامرة مثيرة، بل تهورا غير محسوب العواقب، مبينا أن أقسى ما في التجربة لم يكن الخوف لحظة الانهيار، بل الشعور بأنه خاطر بحياته لأجل قصة لم يتأكد يوما من صحتها.
ويروي آخر اسمه فؤاد أنه دخل هذا المجال بدافع الحاجة المادية، بعدما تراكمت عليه الديون، بعد أن تعرف على شخص يدعي الخبرة في قراءة الرموز القديمة، وأقنعه بأن أرضا زراعية في أطراف البلدة تخفي صندوقا من الذهب، مضيفا أنه لم يشأ أن يخبر عائلته بتفاصيل ما يفعل، واكتفى بالقول إنه يعمل ليلا في مشروع خاص. وتابع أنه بدأ الحفر بمساعدة قريب له، ومع ازدياد العمق أصبحت التربة أكثر هشاشة.
في إحدى الليالي انهار جزء من الحفرة فجأة، ووجد نفسه عالقا لدقائق تحت التراب حتى تمكن قريبه من مساعدته على الخروج، موضحا أنه لم يتعرض لإصابة خطيرة لكن التجربة كانت كافية لزرع الخوف في داخله.
ويقول إنه كان يبحث عن مخرج سريع من أزمته، لكنه كاد يضاعف خسائره، موضحا بأن الضغط النفسي لعب دورا كبيرا في اندفاعه، وأن الحلول السريعة غالبا ما تحمل مخاطر أكبر مما تبدو عليه في البداية.
ويؤكد شاب جامعي أنه انجذب للفكرة بدافع الفضول أكثر من الحاجة، بعدما شاهد مقاطع على وسائل التواصل الاجتماعي تتحدث عن اكتشافات مزعومة في مناطق مختلفة، إذ قرر مع مجموعة من أصدقائه استكشاف بئر مهجورة قيل إنها تخفي إشارات تدل على دفين قديم، مضيفا أنه خلال النزول إلى البئر لاحظوا رائحة غريبة وضيقا في التنفس، ومع البقاء لفترة أطول شعر بدوار خفيف أجبره على الصعود سريعا بسبب وجود نقص في الأكسجين داخل البئر، وأن الاستمرار قد يعرضهم لخطر حقيقي دون أن يشعروا.
ويصف التجربة بأنها كانت درسا قاسيا في التسرع والانجرار خلف ما ينشر دون تحقق، مؤكدا أنه ابتعد تماما عن هذه المغامرات، بعدما أدرك أن ما يروج له كقصة نجاح قد يخفي وراءه مخاطر لا تظهر في الصور ولا في الروايات المتداولة.
أحمد (22 عاما)، واحد من هؤلاء الشباب الذين أغواهم الفضول، يروي تجربته بمرارة قائلا: بدأت رحلتي في البحث عن الدفائن بعد سماعه قصصا عن كنوز مدفونة في أراضٍ نائية قرب إربد، وكنت أبحث عن ربح سريع يغير حياتي، مضيفا: كنت أعمل عادة بعد منتصف الليل لتجنب أعين الناس، مستخدما أدوات بسيطة مثل المعول والمجرفة، وأحيانا الحفارات اليدوية الصغيرة.
وفي إحدى الليالي انهارت الأرض فجأة تحت قدمي لتنتهي رحلتي بكسر في الساق وعمليات جراحية، والأهم من ذلك وعي متأخر بأن المخاطرة بالحياة لا تستحق أي ربح محتمل. تقول أم أحمد، والدة أحد الشباب المشاركين في البحث عن الدفائن: الأثر النفسي والاجتماعي لهذه الظاهرة على الأسر لا يقل خطورة عن المخاطر الجسدية، فنحن نعيش في قلق دائم، لا أعرف إن كان ابني سيعود سالما من رحلته الليلية، موضحة أن هذه الحوادث تخلق ضغوطا نفسية على الأسرة وتؤثر على حياة الجميع، خصوصا عندما تتسبب الإصابات أو الوفاة في توقف الشاب عن العمل أو الدراسة.
أما سعيد، فقد كان دافعه المغامرة برفقة أصدقائه، لكن الإثارة تحولت إلى ذعر حقيقي عندما انهار سقف مغارة قديمة على أحد زملائه، ليبقَ عالقا لساعات قبل أن تتدخل فرق الدفاع المدني لإنقاذه، قائلا: “تلك اللحظات كشفت لي أننا لا نعبث بالتراب فقط، بل نعبث بحياتنا ومستقبلنا”.
الدفاع المدني في المواجهة
وتوضح مصادر الدفاع المدني أن معظم هذه الحوادث تحدث نتيجة انهيار التربة داخل المغارات أو أثناء الحفر العميق، خصوصا في الأراضي الزراعية أو القديمة غير المستقرة، مشيرة إلى أن الإحصائيات تبين تسجيل العديد من الإصابات والوفيات في محافظة إربد خلال السنوات الخمس الماضية نتيجة الحفر العشوائي.
وتبين المصادر أن الأسباب الرئيسة للإصابات الناجمة عن الحفر والبحث عن الدفائن تكمن في انهيار التربة، خاصة في الأراضي الزراعية أو المواقع القديمة غير المستقرة، والاختناق نتيجة نقص الأكسجين داخل المغارات العميقة والفتحات الضيقة، لافتة إلى أن هذه الظاهرة تعكس شعور الشباب بالملل ونقص الفرص التعليمية والترفيهية في بعض مناطق المحافظة، ما يدفعهم للبحث عن مغامرات محفوفة بالمخاطر كوسيلة لتحقيق الذات أو كسب دخل سريع، حتى لو كانت النتيجة فقدانا مؤقتا أو دائما للأمان الشخصي.
دوافع اقتصادية وعقوبات رادعة
يرى الدكتور فراس الخطيب أن دوافع الشباب للانخراط في البحث عن الدفائن والكنوز في إربد ليست عشوائية، بل تنبع من عوامل اقتصادية واجتماعية متشابكة، أهمها ضعف الفرص الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب وغياب المشاريع الإنتاجية، ما يدفع الشباب نحو “مقامرات” غير محسوبة بدلا من الاستثمار في التعليم أو العمل الجاد.
ويؤكد أن هذه الظاهرة تمثل انعكاسات هيكلية على سلوكيات الاستثمار والعمل الجاد بين الشباب، كون البحث عن الدفائن يعزز فكرة الاعتماد على المكاسب السريعة وغير القانونية بدلا من الانخراط في مشاريع منتجة أو تعليمية، ما يضعف ثقافة الادخار والمخاطرة المحسوبة، لافتا إلى أن هذه الظاهرة تعد مؤشرا على ثغرات في الاقتصاد المحلي وغياب سياسات فعالة لدعم الشباب وتوفير فرص عمل مستدامة، وهو ما يتطلب تدخلات تربوية وتنموية لتوجيه طاقات الشباب نحو النشاطات القانونية والمنتجة.
أما من الناحية القانونية، يقول المحامي حمزة وليد عبيدات إن البحث عن الدفائن والتنقيب عن الذهب في الأراضي دون ترخيص رسمي يشكل مخالفة صريحة للقانون الأردني، مبينا أن قانون الآثار رقم 21 لسنة 1988 يحظر على أي شخص القيام بحفريات أو تنقيب في المواقع الأثرية أو حتى الأراضي الخاصة بغرض البحث عن الكنوز أو الذهب.
ويضيف أن القانون في مادته (26) ينص على عقوبة الحبس لمدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على 3 سنوات، وغرامة لا تقل عن 3 آلاف دينار، لكل من قام بالتنقيب عن الآثار دون رخصة أو تاجر بها، مشددا على أن هذه الممارسات تشكل تعديا على ممتلكات الدولة وضياعا لإرث تاريخي لا يقدر بثمن.
وتؤكد الاختصاصية مها عبدالله أن نقص الفرص الترفيهية والبرامج الشبابية يخلق فراغا يملؤه الشباب بمغامرات خطرة لإثبات الذات وتحقيق التميز أمام الأقران، قائلة: “المطلوب توفير برامج ترفيهية آمنة، وإشراك الشباب في أنشطة جماعية وتنموية لتعزيز شعورهم بالانتماء والاندماج في المجتمع بشكل إيجابي والحد من انجذابهم لمغامرات محفوفة بالمخاطر.”
وتضيف أن انتشار القصص والأساطير عن كنوز مدفونة منذ قرون يعزز من جاذبية المغامرة، ويحفز الشباب على القيام بأنشطة محفوفة بالمخاطر، رغم معرفتهم بالمخاطر القانونية والصحية، مشيرة إلى أن الفضول والرغبة في التميز والتجربة المشتركة تعتبر من أهم الدوافع الاجتماعية وراء هذه الظاهرة.

 أحمد التميمي/  الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة