حين اختارت آيسلندا الإنسان… من يحمي الأردني من استنزافٍ اقتصاديٍ طويل؟ // الدكتور متري شبلي الزريقات

في عام 2008، واجهت آيسلندا واحدة من أعنف الأزمات المالية في تاريخها الحديث. انهار القطاع المصرفي، وتضخمت القروض العقارية، ووجدت آلاف الأسر نفسها مهددة بفقدان الاستقرار والسكن في آن واحد. أمام هذا الواقع، اتخذت الحكومة الآيسلندية مسارًا غير تقليدي في إدارة الأزمة، حين قررت شطب جزء من القروض العقارية المرتبطة بالأسر، باعتبار أن تحميل المواطنين نتائج سياسات مالية خاطئة لا يمكن أن يكون أساسًا لتعافٍ اقتصادي مستدام.
لم يكن القرار سهلًا ولا خاليًا من الجدل، لكنه استند إلى منطق واضح: حماية المجتمع شرط أساسي لحماية الاقتصاد. وقد أظهرت النتائج لاحقًا أن هذا الخيار أسهم في تعافٍ اقتصادي أسرع نسبيًا، وانخفاض في معدلات البطالة، واستعادة قدر من التوازن الاجتماعي، مقارنة بدول اعتمدت سياسات تقشفية قاسية دفعت كلفتها الشرائح الأضعف.
هذه التجربة تفتح باب النقاش حول الواقع الاقتصادي في الأردن، ليس من باب المقارنة المباشرة، بل من زاوية التفكير في النهج العام لإدارة الضغوط الاقتصادية. فالأردن لا يواجه أزمة مصرفية مشابهة، لكنه يعيش حالة ضغط اقتصادي متراكم، تتجلى في ارتفاع كلفة المعيشة، وتزايد المديونية الأسرية، وتراجع القدرة الشرائية، خصوصًا لدى الطبقة الوسطى التي تشكل قاعدة الاستقرار الاجتماعي.
المواطن الأردني يواجه تحديات يومية تتجاوز لغة المؤشرات والأرقام. رواتب ثابتة أمام أسعار متحركة، التزامات تتزايد، وخيارات محدودة للتخفيف من الأعباء. وفي المقابل، يبرز خطاب اقتصادي يركز على الضرورة والتحمّل، دون أن يوازيه نقاش كافٍ حول السياسات البديلة القادرة على تخفيف الضغط وتحفيز النشاط الاقتصادي الحقيقي.
الاقتصاد، في جوهره، ليس إدارة مالية فقط، بل إدارة توازن بين الاستقرار المالي والعدالة الاجتماعية. التجارب الدولية تشير إلى أن إنهاك الطبقة الوسطى لا يؤدي إلى تصحيح اقتصادي، بل إلى تباطؤ طويل الأمد، وانكماش في الاستهلاك، وتراجع في الثقة العامة. وحين تتحول السياسات إلى إجراءات تُختبر فيها قدرة المواطن على الاحتمال، يصبح الاستقرار هشًا، قائمًا على الصبر لا على الشراكة.
لا تعني الإشارة إلى التجربة الآيسلندية الدعوة إلى حلول جاهزة أو قرارات متطرفة، لكنها تطرح سؤالًا مشروعًا حول الأولويات: هل تُصاغ السياسات الاقتصادية بما يراعي قدرة المجتمع على الاستمرار، أم تُدار من زاوية ضيقة تركز على المعالجة الآنية دون النظر إلى آثارها الاجتماعية؟
حماية المواطن ليست نقيضًا للإصلاح، بل أحد شروطه. والاقتصاد الذي يضع الإنسان في قلب معادلاته يكون أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات. أما تأجيل النقاش حول العدالة الاقتصادية والاجتماعية، فغالبًا ما يؤدي إلى كلفة أعلى على المدى البعيد.
آيسلندا اختارت الإنسان في لحظة أزمة حادة، فكان ذلك جزءًا من طريق التعافي. وفي الأردن، يبقى السؤال مفتوحًا أمام صانع القرار والرأي العام معًا: هل آن الأوان لإعادة النظر في النهج الاقتصادي بما يخفف الاستنزاف، ويعزز الثقة، ويعيد التوازن بين متطلبات الدولة وحق المواطن في حياة كريمة؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة