خارج الإطار // سعيد ذياب سليم

آية طفلة ذكية، عمرها ثمان سنوات، تحب الحركة، واسعة الخيال، وتسأل باستمرار.
ـــ جَدِّي ، لماذا يأتي الليل؟
ـــ جَدِّي، لماذا لا نستطيع الطيران؟
ـــ جَدِّي من يحمل العصفور في السماء؟
وجَدُّها يضحك ويجيب ويفسر بسعادة.
كان جدها يشاركها ألعابها، فكثيرا ما تأتي إليه قائلة:
ـــ هيا لنخرج في مغامرة.
وكانا كلما مرا بالسوق، وقفت آية أمام دراجة حمراء معروضة خلف الزجاج، تتأملها طويلًا ثم تتابع طريقها مع جدها.
وكانت مغامرة الطائرة الورقية أعزَّ مغامراتها إلى قلبها.
في يوم من الأيام، جلسا سويًا في غرفة دافئة. قصا الورق الملون، ولصقا العيدان، وربطا الخيط. كانت الطائرة صفراء في الوسط كالشمس، ولها ذيل طويل من شرائط ملونة.
وفي اليوم التالي طارا بها في الحديقة. ضحك الجد وهي تجري، والريح حملت الطائرة عالياً حتى كادت تلامس الغيم. قال لها الجد: “الريح صديقتنا يا آية، هي التي تحمل أحلامنا”.
لكن الأيام مرت. وفي صباح هادئ، جلسَت آية وحدها. كان مقعد جدها بجانبها فارغاً. أمسكت الطائرة بحذر وصعدت إلى السطح. أرادت أن تطيّرها كما علمها جدها.
فجأة هبت ريح قوية. أفلت الخيط من يدها الصغيرة، وخطفت الريح الطائرة.
صرخت آية ونظرت للسماء. الطائرة طارت… طارت بعيداً، وصارت نقطة صغيرة بين الغيوم.
لم تستسلم. نزلت تجري إلى الشارع تبحث عنها. مرت على الدكان الذي كان جدها يشتري لها منه الحلوى، وعلى الحديقة التي كانا يلعبان فيها. رأت المقعد الخشبي الفارغ الذي اعتادا الجلوس عليه وتذكرت ضحكته.
وجدت الطائرة في النهاية. كانت عالقة في غصن شجرة عالية. حاولت القفز، لكنها لم تصل. وجلست تحت الشجرة تبكي.
في تلك اللحظة هبت نسمة قوية، فتراقصت الأغصان. اهتز الغصن الذي تعلقت به الطائرة، لكنها لم تسقط. سقطت ورقة صغيرة على رأس آية.
تذكرت كلمة الجد: “الريح صديقتنا.”
مسحت دموعها، ونهضت ببطء نحو الطائرة. وما إن خطت خطواتها الأولى حتى هبّت ريح قوية. فانفلتت الطائرة من الغصن. رفعت آية رأسها، وعادت تركض خلفها من جديد. كانت الريح تقودها بين الأشجار، حتى هبطت أخيرًا بالقرب من طفل صغير كان يجلس باكيا.
التقطتها آية. ضمتها إلى صدرها لثانية. ترددت… ثم ابتسمت.
مدت يدها للطفل وأعطته الطائرة وقالت له: “هيا، سأعلمك كيف تطيّرها”.
علّمته كيف يركض، وكيف يترك الخيط للريح. ومع أول هَبّةِ ريح، ارتفعت الطائرة من جديد. طارت أعلى وأعلى، حتى صارت نجمة صفراء في السماء.
وقفت آية تنظر إليها. ولأول مرة منذ زمن، شعرت أن قلبها تحرر من بعض حزنه. وفي الغيم البعيد، خُيل لها أنها رأت ابتسامة تشبه ابتسامة جدها.
فهمت آية أخيراً. بعض الأشياء لا نحتفظ بها لأنفسنا.
بعض الأشياء… تطير أعلى حين نشاركها.
ومرت الأعوام. كبرت آية، وأصبحت شابة في سنتها الأخيرة بالجامعة، تدرس الرسوم المتحركة.
جلست أمام حاسوبها تكتب مشروع تخرجها: فيلم رسوم متحركة قصير. وما إن بدأت، حتى عادت إليها آية ذات الثماني سنوات، ومغامراتها مع جدها، والطائرة الورقية التي خطفتها الريح. عندها عرفت أيَّ حكاية ستروي.
بدأت ترسم ملامح الشخصيات، وتعيد بناء الحديقة والبيت والدكان، ثم رتبت المشاهد كما تحفظها ذاكرتها، قبل أن تمنح كل مشهدٍ حركة وصوتًا ولونًا.
استحضرت في مشاهدها تنورة آية الزرقاء، وجديلتها الذهبية، وأشجار الحديقة، ودكان الحارة، وحتى الطريقة التي كان جدها يبتسم بها ويشير بيديه وهو يتحدث.
يوماً بعد يوم، دبّت الحياة في الشخصيات، وتعاقبت المشاهد، حتى اكتمل الفيلم.
كانت تشاهد الفيلم مرة بعد أخرى، فتضيف لمسة هنا، وتحذف لقطة هناك، حتى بدا لها أن الذكرى نفسها قد استعادت أنفاسها.
أغلقت آية شاشة الحاسوب بعد آخر تعديل. بقيت صورة الطائرة الورقية معلقة في السماء. ابتسمت وهمست:
“انتهت يا جدي.”
أطفأت المصباح، ومضت إلى سريرها وهي تبتسم.
في منتصف الليل سطع نور أزرق في غرفتها، كانت شاشة الحاسوب قد أضاءت وحدها، وبدأ الفيلم بالعمل. توقفت الصورة فجأة.
التفتت آية الصغيرة نحو الشاشة، كأنها رأت شيئًا خارج الفيلم. تقدمت ببطء حتى بلغت حافة الإطار، ثم مدت قدمها إلى خارجه كأن حدود الشاشة لم تعد تعني لها شيئًا، وهبطت على سطح المكتب. دارت بقائمتها المصورة حول لوحة المفاتيح. صعدت إليها ونطت من مربع لآخر تقرأ الأحرف والأرقام.
انتبهت آية إلى تكتكة المفاتيح، ففتحت عينيها ونهضت. اقتربت من مكتبها، ثم شهقت حين رأت آية الصغيرة تقفز بين أزرار لوحة المفاتيح.
ـــ لماذا خرجتِ من الفيلم أيتها الشقية؟
ابتسمت الصغيرة، وأمالت رأسها بدلال.
ـــ ومن يمنعني؟
ـــ أنا.
ـــ ومن أنتِ؟
ـــ أنا… أنتِ، بعد أن كبرتِ كثيرًا.
حدقت الصغيرة في وجهها طويلًا، ثم قالت:
ـــ كنتِ تبكين وأنتِ تعدلين المشاهد… كنت أسمع تنهداتكِ خلف الشاشة. لماذا تبدين حزينة هكذا؟ أين ذهبت ضحكتنا؟
صمتت آية، واغرورقت عيناها بالدموع.
ــ خفتت… منذ أن فارقنا جدنا. منذ ذلك اليوم، وأنا أشعر أن الريح خطفت قلبي كما خطفت الطائرة الورقية.
اقتربت الصغيرة خطوة، وقالت بيقين الطفولة:
ــ لكننا وجدنا الطائرة في النهاية!
ــ نعم، وجدناها… لكننا أعطيناها لغيرنا. تركناها ترحل. ومنذ ذلك اليوم، وأنا أتساءل: ماذا لو احتفظنا بها؟
أنا هنا لأغير ذلك يا آية. في هذا الفيلم، سأعيد ترتيب الحكاية. لن أترك الريح تخطف الطائرة، ولن أتركك تركضين وحدك خلفها. سأبقي جدنا بجانبكِ دائمًا… سأمنع الريح من أن تخطف منك شيئًا. ولن أسمح لشيء أن يأخذ منا ما نحب.
نظرت الصغيرة إليها بحزن لا يناسب عمرها، وقالت:
ـــ ولماذا تحاولين حبسي هنا؟ وهل تستطيعين أن تمنعي كل شيء يا آية؟
سكتت آية.
تابعت الصغيرة:
ــ وهل ستمنعيننا حتى من الوقوف أمام تلك الدراجة الحمراء التي كنا ننظر إليها كلما مررنا بالسوق؟
خفضت آية عينيها.
قالت الصغيرة:
ــ كنتِ تظنين أن ما لم نملكه هو ما أحزننا… لكنه هو أيضًا ما علّمنا أن نحلم.
جعلنا نعرف قيمة ما يأتي إلينا، حتى لو كان صغيرًا.
اقتربت الصغيرة أكثر، وقالت:
ــ إذا حبستِني في الغرفة لتحميني… فلن أصنع طائرة ورقية، ولن أركض خلف الريح، ولن أتعلم كيف أعطي طائرتي لطفل آخر يحتاج ابتسامة. إذا حميتِني من كل شيء، لن أكون أنا… ولن تكبري لتكوني أنتِ.
رفعت آية رأسها ونظرت إليها بذهول، وكأنها تسمع صوت جدها يتردد في كلمات الطفلة.
ــ لكن الألم كان فوق طاقتكِ… أنا فقط كنت أريد حمايتكِ.
مسحت الطفلة على يد آية الكبيرة وقالت بصوت دافئ:
ــ جدنا لم يكن يريد أن يعلمنا كيف نهرب من الريح، بل كيف نصنع شيئًا يطير رغمها. كان يعرف أن الحزن جزء من الحكاية، وأن بعض الأشياء التي نفقدها تترك فينا أشياء أخرى لا نراها.
ابتسمت قليلًا وأضافت:
ــ الفيلم جميل كما هو يا آية… لأنه لم يحكِ فقط ما حدث لنا، بل حكى كيف أصبحنا.
بدأت ملامحها تبهت شيئًا فشيئًا.
ـــ لا… انتظري!
ابتسمت الصغيرة للمرة الأخيرة.
ـــ لا تخافي عليّ… أنا ما زلتُ هنا.
واختفت.
ظلت آية لحظة، كأن الكلمات ما زالت تتردد في الغرفة. ثم شعرت بالعطش، فاتجهت إلى المطبخ. ولما فرغت من شرب الماء، نظرت إلى مكتبها كأنها تبحث عن شيء لم تعد تذكره. عادت إلى سريرها، ونظرت إلى شاشة الحاسوب وهمست:
ـــ لم يكن الفيلم هو الذي يحتاج إلى إعادة كتابة… بل كنتُ أنا من أحتاج إلى أن أرى الحكاية من جديد.

