خبز الطابون… حين تفوح من الذاكرة رائحة الماضي عجلون

في زاويةٍ من الذاكرة، حيث ما تزال رائحة الحطب عالقةً في جدران البيوت القديمة، وحيث كانت الأمهات والجدات يجتمعن منذ ساعات الصباح الأولى، يبدأ خبز الطابون حكايته.
ليس مجرد رغيفٍ يُؤكل على مائدة، بل ذاكرةٌ تُخبَز على نار الحنين، وتحمل معها تفاصيل حياةٍ كانت أكثر بساطة، وأكثر دفئًا.
كان الطابون جزءًا من المشهد اليومي في القرى والبلدات؛ فرنًا طينيًا يختزن حرارة النار، وتحيط به حكايات النساء وهنّ يعجنّ الطحين، ويتركن العجين ليستريح قبل أن يتحول بأيديهن إلى أرغفة رقيقة، تُلصق على جدران الطابون الساخنة، ثم تُنتزع وقد اكتسبت لونها الذهبي ورائحتها التي تسبقها إلى الموائد.
“ريحة الخبز كانت توصل للدار قبل ما يوصل الرغيف”، تقول إحدى الجدات ام محمد وهي تستعيد تفاصيل تلك الأيام وتضيف أن خبز الطابون لم يكن يحتاج إلى كثير من المرافقة زيت الزيتون، والزعتر، واللبنة، وربما بعض الزيتون، كانت كفيلة بتحويل الرغيف الساخن إلى وجبةٍ لا تُنسى.
واضافت في الماضي، لم يكن إعداد الخبز مهمةً فردية كانت صناعة الرغيف مناسبةً تلتقي فيها نساء العائلة والجارات، تتقاسمن العمل والحديث، وتتعالى بينهن الضحكات والحكايات وبينما كانت الأيدي تعجن وتُرقّق العجين، كانت الذاكرة تصنع هي الأخرى خبزها الخاص؛ قصصًا ومواقف وتفاصيل بقيت حاضرة رغم تغيّر الزمن.
وزادت اليوم، تغيّرت الحياة وتسارعت وتيرة الأيام. دخلت الأفران الحديثة إلى البيوت، وأصبح الخبز متاحًا في كل وقت، لكن الطابون ما زال يحتفظ بمكانته في الذاكرة الشعبية فكلما ارتفعت رائحة الحطب، أو خرج رغيفٌ ساخن من فرنٍ طيني، عاد كثيرون للحظة إلى بيتٍ قديم، وإلى صباحاتٍ كانت تبدأ بصوت الحطب ورائحة الخبز.
ولعل سرّ خبز الطابون لا يكمن في مكوناته وحدها، بل في الطريقة التي ارتبط بها بالناس والمكان والزمن. فهو خبزٌ يحمل نكهة الأرض، ويختزن في مسامه حكايات الأيدي التي صنعته، ودفء البيوت التي احتضنت الطابون.
فبين رغيفٍ ساخن وذاكرةٍ بعيدة، يبقى خبز الطابون شاهدًا على زمنٍ لم يعد كما كان، لكنه لم يغب تمامًا ، فبعض الذكريات لا تحتاج إلى صور كي تعود
يكفي أن تفوح رائحة الخبز من الطابون، حتى يفتح الماضي بابه من جديد.

 

الدستور/ علي القضاه

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة