خطاب العرش.. قوة الدولة والأمن المائي // عبد الله مصطفى السعود

من الموكب الأحمر ولباس العرش الأسود لجلالة الملك عبدالله الثاني، إلى ظهور جلالة الملكة رانيا العبدالله بالمدرقة الكركية وحضور سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني ولي العهد بزي سلاح الجو الملكي، . تفاصيل اجتمعت في مشهد وطني لافت، قبل أن ينقل خطاب العرش السامي الحضور من رمزية المراسم إلى جوهر المرحلة: أمن الوطن، ووعي الأردني، ومصلحة المواطن، ومسؤولية المؤسسات.

بدأ جلالة الملك من الكرك ودماء شهدائها، واضعاً أمن الأردن ووحدته في مقدمة الأولويات. ولم يحصر قوة الدولة في جيشها وأجهزتها الأمنية، بل وضع إلى جانبها وعي الأردني وحكمته وتماسكه في مواجهة المحن. فالجبهة الداخلية القوية يصنعها أيضا مجتمع لا يسمح للخوف أو الانفعال بأن يتحولا إلى فتنة أو انقسام.

وفي الموقف من فلسطين، أكد الخطاب ثبات النهج الأردني واستمراريته. وحين قال جلالة الملك: «كما كان أبي من قبلي وسيكون ابني من بعدي»، وضع قضايا الأمة ضمن مسار دولة يمتد عبر الأجيال، مؤكداً أن الأمن والاستقرار في المنطقة لن يتحققا دون حصول الشعب الفلسطيني على حقه في أرضه.

وفي الداخل، كان الخطاب مباشراً مع مجلس الأمة؛ فالأردنيون لا يراقبون ما يصدر تحت القبة من تشريعات فقط، بل السلوك والخطاب أيضاً. وهي رسالة ترفع سقف المسؤولية النيابية، وتجعل الاختلاف قوة حين تحكمه مصلحة الوطن.

أما مفتاح قراءة الجانب الداخلي من الخطاب، فهو أن تكون مصلحة الأردني في صلب كل قرار، لا على هامشه. فالمواطن هو معيار نجاح السياسات، والتنمية تقاس بما يلمسه في معيشته وفرصه وتعليمه وعلاجه ومستقبل أبنائه، لا بما تعلنه الخطط من أرقام فقط.

وجاء تكرار «المياه، المياه، المياه!» ليضع الأمن المائي في موقع يتجاوز الملف الخدمي. فحماية موارد الأردن وضمان حقوق الأجيال القادمة تجعل المياه جزءاً من الأمن الوطني، وتضع الحكومة أمام مسؤولية استباق التحديات وتسريع المشاريع اللازمة لمواجهتها.

وكانت الرسالة حاسمة في الإدارة العامة أيضاً: الوظيفة مسؤولية لخدمة الناس وليست امتيازاً، ولا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه. وحين يؤكد جلالة الملك أن القانون لا يعرف اسماً ولا منصباً ولا نفوذاً، يصبح معيار هيبة الدولة واضحاً: قانون يراه المواطن مطبقاً على الجميع.

خطاب العرش رسم علاقة واضحة بين قوة الدولة وحياة المواطن: أمن يحميه، ومؤسسات تخدمه، وبرلمان يمثل مصالحه، وتنمية يلمس أثرها، وقانون يسري على الجميع.

وبعد أن انتهى الخطاب تحت القبة، تبدأ مسؤولية الحكومة ومجلس الأمة ومؤسسات الدولة في تحويل مضامينه إلى سياسات وقرارات ونتائج؛ فالمعيار في النهاية ليس ما يقال عن المواطن، بل ما يتغير في حياته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة