رجل عادي // سعيد ذياب سليم

رأى فيما يرى النائم؛ أنه في جمع بوجوه كثيرة لا يعرفها، تملؤه موسيقى وثرثرة وضحكات، وتفوح فيه رائحة عطر مألوف، وسط أضواء وبالونات ملونة. اقترب من أحدها فانفجر ودوّى صوته، فاستيقظ مذعوراً. كان مستلقياً على سريره، يتقلب دون أن يدري ما الذي يزعجه، بينما كانت السماء فوق سطح بيته تضج بطائرات ترتفع آلاف الأمتار لتلاحق هدفاً، ما لبثت أن أصابته فانفجر.
دخلت زوجته تسأله بهلع: “هل سمعت الانفجار؟”. نظر إليها بين النوم واليقظة، وتمتم بسكينة واهمة: “إنه بالون”. جلس في فراشه معترفاً بأنه هو من تسبب في إيقاظه، بينما كانت هي تبثه مخاوفها: “هل ستمتد ألسنة اللهب فتجتاح المنطقة َبأسرها؟”.
بطلنا هذا رجل عادي، يُذَكِّرُك حاله بـ “شارلي شابلن” في فيلمه “الأزمنة الحديثة” (Modern Times)، وهو يترنح بين مسننات الآلات العملاقة التي تعتصره. هو موظف في هذه الأرض، اعتاد أن يؤجل أحلامه وخططه لليوم الذي تعاود فيه آلة الصرف الآلي نشاطها؛ تلك الآلة التي يقف أمامها بخشوع كمن ينتظر “هبة السماء”، لتعطيه ما يسألها من نقد حين يشحنها “المارد” براتبه الشهري.
هو رجل أعماه ضجيج الألوان وصخب إعلام يتقلب كالحرباء؛ لا يغير ألوانه فحسب، بل يبدل وجوه الحقائق وينسج من الأكاذيب واقعاً بديلاً. لقد صار الشيطان يلبس قلنسوة القديس، يعظ الجموع بلغة سوقية ويتصرف بوقاحة، كما لو أن كل القواعد لا تعنيه.
دنا من زوجته وهي تملي عليه قائمة النواقص: “زيت، دقيق، خضار.. وملابس للعيد”. جلسا أمام الشاشة؛ اقترحت عليه محطة شرقية، لكنه ظل يقلب المحطات التي تنقل آثار الحرب ومعاناة البشر. استوقفه حديث رجل أشقر، بدا كأنه بالون يكاد ينفجر، يطفح بالغرور حتى الثمالة، وبكل ما يستقذره الوجدان البشري ويبعث في النفس الاشمئزاز. كان يهدد ويستعرض قوته كما لو أنه إله إغريقي، متحدثاً عن مصادر الطاقة والممرات الاستراتيجية. لكن صاحبنا، هذا الرجل العادي، لم يفهم شيئاً من تلك اللغة؛ فبينما يغلي العالم بالوعيد، كان هو يرقب الأفق بهدوء، لا ينتظر سوى موسم المطر.
ولم تمض أيام حتى صار صوت الطائرات وصافرات الإنذار جزءاً من يومهم. لا يدري بطلنا هذا كم مر عليه من الأيام، ولم تتحسن ألوان المشهد من حوله. كان هو وأطفاله في حجرة مظلمة إلا من بقايا شمعة تنوس شعلتها وقد كادت أن تلفظ أنفاسها الأخيرة؛ شمعة تشبه تماماً تلك التي رآها في حلمه البعيد قبل أن ينفجر البالون.
يجلس حوله أطفاله، وقد اختفت ابتساماتهم الشقية وتبدلت ملامحهم؛ تحدق فيه عيونهم اَلْمُحْمَرَّة بالدموع، كنجوم صغيرة تشق الظلام ببصيص رجاء، ترجوه الخلاص. بينما تمتص رائحة كيميائية هواء الحجرة وترسم الرعب على الوجوه.
تسيطر عليه فكرة واحدة.. “ليأتِ المارد”، ليبدد كابوس الأيام الطويلة. وفجأة.. دوى صوت انفجار مكتوم، تماماً كصوت بالون ملون يمزق صمت المكان. أغمض عينيه بقوة، ينتظر صرخة زوجته لتوقظه من الكابوس.
لكن هذه المرة.. لم يوقظه أحد.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة