رسالة من طالب في الصف العاشر “لمن يهمّه الأمر” // د. باسم القضاة

والدي العزيز…
إن وصلت إليك كلماتي هذه واضحة مترابطة، فاعلم أنني بخير، وأني ما زلت أحتفظ في قلبي بامتنان كبير لك على ما قدمته لي طوال سنوات دراستي من رعاية واهتمام. كما أشكر كل معلم مرّ في حياتي، فقد كان لكل واحد منهم أثر، وأسهموا جميعًا في تعليمي الحرف والكلمة.
لكن…
إن وجدت حروفي متعثرة، وكلماتي مبعثرة، وعباراتي لا يربط بينها انسجام، فاعلم يا والدي أن هذه الفوضى في الكتابة ليست وليدة لحظة، بل هي حصيلة سنوات مضت دون أن ينتبه أحد لضعفي، أو يسعى بصدق إلى علاجه.
كنت تعلم حالي يا والدي…
تعرف أنني ضعيف في القراءة والكتابة، وترى تعثري عامًا بعد عام، ومع ذلك مضت الأيام دون أن نتوقف قليلًا لنسأل:
لماذا يتعثر ابني؟
أين الخلل؟
ومن المسؤول عن هذا الضعف الذي يكبر معه عامًا بعد عام؟ لم يكن الأمر مجرد تقصير عابر، بل كان صمتًا طويلاً…
صمتًا جعل الضعف يتراكم، وجعل السنوات الدراسية تمر دون أن تترك في داخلي ما يجب أن تتركه من علم ومعرفة.
لقد جاملنا أحيانًا من قصّر، وسكتنا حين كان يجب أن نسأل، وتغاضينا حين كان الواجب أن نطالب بحقنا في تعليم حقيقي.
فالتعليم يا والدي ليس أوراقًا تُوقّع، ولا سنوات تمضي في دفاتر الغياب والحضور، بل هو بناء إنسان، وصناعة مستقبل، ومسؤولية أمام الله والوطن والضمير.
اليوم أكتب كلماتي هذه لا لأجل اللوم، بل لأجل الأمل…
أكتب لأنني ما زلت أؤمن أن الفرصة إن أُعطيت بصدق يمكن أن تصنع الفرق. ما زلت أؤمن أن إنسانًا تعثر في الطريق يمكنه أن ينهض إذا وجد من يأخذ بيده، ويؤمن بقدرته على التغيير.
أريد فرصة حقيقية… فرصة لأتعلم كما ينبغي.فرصة لأعوض ما فاتني. فرصة لأثبت أنني قادر على أن أكون شيئًا مختلفًا عمّا أنا عليه اليوم.
أليس بيننا معلم يخاف الله في مهنته، فيرى في الطالب إنسانًا يجب أن يُبنى لا رقمًا يمر في سجل؟
أليس في مؤسسات التربية والتعليم من يشعر أن مسؤوليته الأولى هي صناعة الإنسان قبل أي شيء آخر؟
أنا لا أطلب المستحيل…
كل ما أطلبه يد تمتد نحوي بصدق، ووقتًا إضافيًا يعيد لي ما ضاع من سنوات، وفرصة عادلة لأبدأ من جديد.
فقد يتعثر الإنسان في بداية الطريق، لكن المؤلم حقًا… أن يُترك وحيدًا دون أن يجد من يعينه على النهوض.
ساعدوني…
فلعل يومًا يأتي أستطيع فيه أن أكون إنسانًا نافعًا لنفسي وأهلي ووطني، ولعل كلماتي المتعثرة اليوم تتحول يومًا ما إلى قصة نجاح تُروى.
د. باسم القضاة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة