ركود غير مسبوق يضرب أسواق جرش ويهدد بإغلاق محال تجارية

جرش- لم يعدْ الركود في أسواق محافظة جرش، مجرد تراجع عابر في الحركة التجارية، بل تحول إلى أزمة خانقة تضرب عمق القطاع التجاري، وتهدد بإغلاق عشرات المحال تحت وطأة الخسائر المتراكمة والالتزامات الثقيلة، ذلك أن مشهد الأسواق اليوم لا يشبه ما كان عليه قبل أعوام قليلة؛ فالشوارع التجارية شبه فارغة، والمحال مفتوحة بلا زبائن، والتجار ينتظرون بصمت زبونا قد لا يأتي.

 

التجار الذين علّقوا آمالهم على موسم يعيد بعضا من الحياة إلى السوق، وجدوا أنفسهم أمام واقع أكثر قسوة؛ فلا حركة تذكر، ولا قدرة شرائية، ولا مؤشرات قريبة على تحسن اقتصادي يعيد التوازن لعجلة البيع والشراء، وكل ما هناك بضائع مكدسة على الرفوف، ودفاتر ديون تتضخم يوما بعد يوم.

وتوصف حالة الركود في الأسواق التجارية بمحافظة جرش بأنها غير مسبوقة، في وقت كان فيه التجار ينتظرون بفارغ الصبر موسما نشطا يعيد الحياة إلى محالهم ويعوض جزءا من الخسائر المتراكمة منذ سنوات، إلا أن الظروف الاقتصادية الصعبة وتداعيات التوترات السياسية التي تمر بها المنطقة جاءت لتبدد تلك الآمال، وتضع القطاع التجاري في مواجهة واحدة من أصعب مراحله.

ففي جولة داخل الأسواق الرئيسة في مدينة جرش وبلداتها، يلاحظ الزائر بوضوح ضعف الحركة الشرائية، وقلة أعداد المتسوقين مقارنة بالأعوام السابقة، فيما تقف المحال التجارية لساعات طويلة دون تسجيل أي مبيعات تذكر، وهو مشهد بات مألوفا للتجار الذين يؤكدون أن الركود لم يعد ظرفا مؤقتا، بل تحول إلى حالة عامة تهدد استمرارية أعمالهم.

ويتفق عدد من التجار على أن السبب الرئيس وراء الركود هو تراجع القوة الشرائية للمواطن نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة وثبات الدخل، ما جعل الإنفاق محصورا في أضيق الحدود، مشيرين إلى أن هذا الواقع انعكس بشكل مباشر على الأسواق الشعبية والتجارية في جرش، التي تعتمد بشكل أساسي على أبناء المحافظة والمناطق المجاورة وأبناء المخيمات.

وأكدوا أن هذا التراجع في الإنفاق الاستهلاكي يشكل حلقة مفرغة، إذ يؤدي إلى انخفاض مبيعات التجار، ومن ثم تقليص قدرتهم على الاستيراد والتشغيل، ما ينعكس سلبا على فرص العمل والدورة الاقتصادية المحلية.

الاستدانة لشراء بضائع جديدة

وبحسب التاجر راشد عضيبات، فقد كان التجار في جرش يراهنون على هذا الموسم لتعويض خسائر سابقة، خصوصا بعد سنوات متتالية من الضغوط الاقتصادية؛ حيث استدانوا لشراء بضاعة جديدة، وجددوا محالهم، واستعدوا لما اعتقدوا أنه انفراجة طال انتظارها، لكن المفاجأة كانت صادمة؛ فالإقبال ضعيف إلى حد غير مسبوق.

 

وقال عضيبات، وهو أحد أصحاب محال الألبسة في وسط المدينة، بمرارة: “اشترينا بضاعة على أمل أن يتحرك السوق، اليوم البضاعة متكدسة، والشيكات اقترب موعدها، وما في سيولة نسكرها، والمنطقة تشتعل والأوضاع السياسية في أسوأ أوضاعها، وهذا ينعكس بشكل مباشر على الحركة الاقتصادية والتجارية في الأسواق، والاقتصاد يدفع الثمن”.

 

ويرى أن التوترات السياسية في الإقليم لم تبق مجرد أخبار على الشاشات، بل انعكست مباشرة على جيوب المواطنين، ومن ثم على الأسواق، من خلال ارتفاع تكاليف الشحن، وتقلبات الأسعار، وحالة القلق العام، وكلها عوامل دفعت المواطن إلى الانكماش الاستهلاكي.

أما التاجر مجدي أبو العدس، فيرى من جهته، أن الإنفاق اليوم بات محصورا في الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية؛ والأسرة تفكر ألف مرة قبل شراء قطعة ملابس أو جهاز كهربائي، وحتى المناسبات الاجتماعية التي كانت تحرك السوق تراجعت نفقاتها بشكل واضح.

وأضاف، أن الأزمة لم تعد فقط في ضعف البيع، بل في الاختناق المالي؛ فغالبية التجار اشتروا بضائعهم عبر شيكات آجلة أو ديون مباشرة من الموردين، واليوم المواعيد تقترب، والمبيعات لا تكفي لتغطية جزء بسيط من الالتزامات.

وبين أبو العدس، أن التجار يؤكدون أن ديون التراخيص وأجور المحال باتت عبئا خانقا، خصوصا مع غياب أي تسهيلات استثنائية أو قرارات تخفف الضغط عنهم في هذه المرحلة الحساسة، لا سيما أن الواقع لم يبق في إطار التحذير، بل بدأ يتحول إلى إغلاق فعلي لمحال تجارية في موسم كانوا يعتقدون أنه سيكون ذروة العمل.

بدوره، قال التاجر محمود القادري، إن الركود الحالي لم يمر دون خسائر واضحة، حيث أغلقت عدة محال أبوابها خلال الأشهر الماضية، فيما يواجه عدد أكبر خطر الإغلاق في حال استمرار الأوضاع على ما هي عليه، ويخشى التجار من أن يؤدي ذلك إلى تفريغ الأسواق من أصحابها، وتحويل الشوارع التجارية إلى واجهات مغلقة، ما يفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في المحافظة.

وأضاف أنه في ظل هذه الأوضاع، يطالب تجار محافظة جرش الجهات المعنية باتخاذ إجراءات عاجلة لدعم القطاع التجاري، من خلال تخفيف الرسوم والضرائب، وجدولة الديون، وتقديم تسهيلات حقيقية تساعدهم على الصمود، كما يدعون إلى تحفيز الحركة الاقتصادية في المحافظة عبر دعم السياحة الداخلية، وتنظيم فعاليات تسويقية تعيد الحياة إلى الأسواق، لا سيما أن المواطن الأردني يعتمد على الراتب الشهري في تغطية مستلزمات العيد، والراتب سيكون قبل العيد بيوم واحد أو يومين، وهي مدة غير كافية للتسوق، مما يؤكد أن الحركة التجارية ستبقى ضعيفة ومتواضعة.

وأكد القادري أن تجار جرش يقفون اليوم بين انتظار انفراجة طال أمدها، وقلق متزايد من مستقبل غامض، في ظل استمرار الأوضاع الاقتصادية والسياسية الضاغطة، ورغم كل التحديات، ما يزال كثير منهم متمسكا بالأمل، على أمل أن تحمل الأيام المقبلة حلولا تخفف من حدة الأزمة وتعيد للأسواق نبضها المفقود.

إعادة ترتيب أولويات الاستهلاك

ووفق التاجر حمزة الطيطي، وهو صاحب أحد المحال التجارية في مخيم سوف، فإنه لا يمكن فصل حالة الركود في جرش عن المشهد العام الذي تعيشه المنطقة، فالتوترات السياسية الإقليمية ألقت بظلالها الثقيلة على الأوضاع الاقتصادية، سواء من حيث ارتفاع أسعار السلع، أو زيادة تكاليف النقل والشحن، أو حتى تراجع ثقة المستهلك بالمستقبل القريب.

 

وأضاف، أن هذه العوامل مجتمعة دفعت المواطن إلى إعادة ترتيب أولوياته، حيث باتت معظم الأسر تركز على تأمين الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والدواء وفواتير الكهرباء والمياه، فيما تراجعت بشكل كبير القدرة على شراء الكماليات أو استبدال الملابس والأدوات المنزلية.

ويرى الطيطي أن من أبرز التحديات التي يواجهها تجار جرش حاليا تراكم البضائع داخل المحال والمستودعات، مقابل نقص حاد في السيولة المالية؛ فالكثير من التجار قاموا بشراء بضائعهم بالدين أو بنظام الشيكات الآجلة، على أمل تسديدها من عائدات البيع، إلا أن ضعف الحركة التجارية حال دون ذلك.

من جانبه، قال رئيس الغرفة التجارية في محافظة جرش الدكتور علي العتوم، إن التجار قاموا بتوفير وتجهيز كافة مستلزمات الأسر لشهر رمضان والعيد من ملابس وأحذية وحقائب وإكسسوارات وحلوى وكل ما تحتاجه الأسرة للعيد، إلا أن حركة البيع ما تزال متواضعة، رغم أن هذه الفترة هي موسم الذروة في البيع والشراء.

ويرى أن الظروف السياسية التي تمر بها المنطقة تنعكس سلبا بشكل مباشر على القطاعات التجارية كافة في مختلف الدول، وعلى صعيد دولي، وكل العالم سيتأثر بها، وتجار جرش جزء من هذه المنظومة التي ستتأثر سلبا.

ويعوّل العتوم على صرف الرواتب قبيل حلول عيد الفطر حتى يتمكن المواطنون من شراء مستلزماتهم الضرورية وتحريك عجلة البيع والشراء.

 

صابرين الطعيمات/ الغد

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة