زيارة الملك للصين.. من الشراكة السياسية إلى اختبار التحول الاقتصادي

عمّان – تشكل زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين في توقيتها وأجندتها مؤشرات على محاولة نقل هذه العلاقات الأردنية الصينية إلى مستوى أكثر فاعلية، في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والصناعية والتكنولوجية.
فالزيارة، التي تعد التاسعة لجلالة الملك إلى الصين، جاءت في مرحلة يبحث فيها الأردن عن توسيع قاعدة شراكاته الاقتصادية، وتنويع أسواقه التصديرية، واستقطاب استثمارات نوعية قادرة على دعم النمو وخلق فرص العمل، في وقت تتحرك فيه الصين بقوة نحو توسيع حضور شركاتها واستثماراتها وسلاسل توريدها في الأسواق العالمية.
كما تكتسب هذه الزيارة أهمية إضافية مع اقتراب الذكرى الخمسين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الأردن والصين عام 1977، بما يجعل المناسبة فرصة لإعادة تقييم ما تحقق خلال خمسة عقود، وما الذي يمكن أن تحمله العقود المقبلة من شراكة اقتصادية أكثر توازناً واستدامة.
ولا تنحصر أهمية الزيارة في لقاء جلالة الملك بالرئيس الصيني شي جين بينغ والقيادات السياسية الصينية، وإنما تمتد إلى البرنامج الاقتصادي الذي شمل لقاءات مع كبار المسؤولين الاقتصاديين وممثلي الشركات الصينية الكبرى، لا سيما في مدن شنغهاي وشنجن وبكين.
التوازن المطلوب
وتحتل الصين موقعاً متقدماً في خريطة التجارة الأردنية، إلا أن حجم المبادلات التجارية لا يعكس بالضرورة مستوى التوازن المطلوب بين البلدين، حيث تشير بيانات المستوردات الأردنية من الصين أنها بلغت نحو 4.18 مليار دينار خلال عام 2025، مقابل صادرات أردنية إلى السوق الصينية بلغت نحو 268.4 مليون دينار، ما يكشف بوضوح عن فجوة تجارية كبيرة بين الجانبين.
وتؤكد هذه الأرقام أن التحدي بالنسبة للأردن لا يتمثل فقط في زيادة حجم التجارة، بل في تغيير طبيعتها، فزيادة المستوردات من الصين يمكن أن تعني مزيداً من السلع والمنتجات والآلات والتكنولوجيا الصينية في السوق الأردنية، لكن المصلحة الأردنية الأكبر تتمثل في جذب استثمارات صينية إلى المملكة، وإقامة مصانع ومشروعات مشتركة، واستخدام الأردن قاعدة إنتاج وتصدير للأسواق الإقليمية والدولية.
وبالتالي فإن تركيز الزيارة على القطاع الصناعي وسلاسل التوريد والتكنولوجيا والتعدين والطاقة وصناعة الأغذية والأسمدة والكيماويات يحمل دلالة اقتصادية مهمة، فالأردن لا ينافس الصين في الإنتاج واسع النطاق، لكنه يستطيع أن يقدم للشركات الصينية ما لا توفره السوق الصينية ذاتها من موقع جغرافي قريب من أسواق المنطقة، وقوى عاملة مؤهلة، وبيئة استثمارية مستقرة، وشبكة من اتفاقيات التجارة الحرة التي تتيح الوصول إلى أسواق واسعة.
ولهذا فإن المعادلة التي يمكن أن يسعى الأردن إلى بنائها هي رأس المال والتكنولوجيا والخبرة الصينية، مقابل الموقع الأردني والموارد البشرية والنفاذ إلى الأسواق.
فجوة تجارية
ورغم التطور في العلاقات الاقتصادية، تبقى الفجوة التجارية أحد أبرز الملفات التي تحتاج إلى معالجة؛ إذ إن بيانات غرفة صناعة الأردن أظهرت أن الصادرات الصينية إلى الأردن تجاوزت 5.1 مليار دولار عام 2024، مقابل صادرات أردنية إلى الصين لم تتجاوز نحو 318 مليون دولار، ما يعكس اختلالاً واضحاً في الميزان التجاري.
ولا يعني ذلك أن العلاقة التجارية غير مفيدة للأردن؛ فالواردات الصينية توفر آلات ومعدات ومواد أولية وسلعاً استهلاكية بأسعار تنافسية، كما أن الشركات الأردنية تستفيد من المنتجات والتكنولوجيا الصينية، لكن التحدي هو أن يتحول جزء من هذا الإنفاق الاستيرادي إلى قيمة مضافة داخل الاقتصاد الأردني.
وهذا يمكن أن يتحقق من خلال تشجيع الشركات الصينية على إقامة مصانع في المملكة، بدلاً من الاكتفاء بتصدير المنتجات إليها.
فإذا دخل الاستثمار الصيني في قطاعات مثل الصناعات الغذائية، والكيماويات، والأسمدة، والتعدين، والطاقة المتجددة، والتكنولوجيا، فإن العلاقة الاقتصادية ستنتقل من مجرد شراء وبيع إلى إنتاج وتشغيل وتصدير، وهذا هو الاختبار الحقيقي لنجاح المرحلة المقبلة.
ويعد أحد أهم عناصر القوة التي يستطيع الأردن تسويقها أمام المستثمر الصيني هو موقعه، فالمملكة تقع عند نقطة التقاء عدد من الأسواق، وتتمتع بشبكة اتفاقيات تجارة حرة توفر فرصاً للوصول إلى أسواق خارجية.
واستحوذت الدول التي يرتبط معها الأردن باتفاقيات تجارة حرة على 73.2 % من إجمالي صادرات المملكة خلال عام 2025، وهو ما يبرز أهمية هذه الاتفاقيات في دعم القدرة التصديرية.
وهنا يمكن للصين أن تنظر إلى الأردن ليس باعتباره سوقاً استهلاكياً محدود الحجم، وإنما باعتباره منصة إنتاج وتصدير.
سلاسل الإمداد
ومن أبرز ما يميز الأجندة الاقتصادية للزيارة التركيز على القطاع الصناعي، وهذا التركيز يأتي في وقت تسعى فيه المملكة إلى رفع القيمة المضافة المحلية وتعزيز تنافسية الصناعة الأردنية.
وأظهرت التحركات الاقتصادية الأردنية خلال العام الحالي أن هناك اهتماماً متزايداً بتطوير العلاقات مع المؤسسات والشركات الصينية، بما في ذلك البحث عن استثمارات وشراكات في سلاسل الإمداد.
ففي حزيران (يونيو) الماضي، شارك الأردن في معرض الصين الدولي لسلاسل الإمداد في بكين، في إطار جهود جذب الاستثمارات الصينية وتعريف الشركات العالمية بالفرص المتاحة في المملكة.
وتشكل سلاسل الإمداد تحديداً فرصة مهمة للأردن، فبدلاً من النظر إلى الاستثمار كمشروع منفرد، يمكن بناء منظومة تضم المصنع والموردين والخدمات اللوجستية والتدريب والتصدير.
وإذا نجح الأردن في جذب شركات صينية إلى قطاعات ذات ميزة نسبية، فإن الآثار الاقتصادية يمكن أن تمتد إلى شركات أردنية صغيرة ومتوسطة تدخل كموردين ومقدمي خدمات، وهذا بدوره يرفع من القيمة الاقتصادية للاستثمار الأجنبي ويمنع بقاءه معزولاً عن الاقتصاد المحلي.
والقطاع الخاص هو الذي سيقرر في النهاية ما إذا كان المشروع قابلاً للتنفيذ، وما إذا كان الاستثمار مجدياً، وما إذا كانت السوق الأردنية قادرة على استيعاب المشروع أو تحويله إلى منصة تصدير.
ولهذا فإن المطلوب بعد الزيارة هو متابعة الاتفاقيات من خلال فرق عمل مشتركة، وجداول زمنية واضحة، ومشروعات محددة، ومسؤوليات معلنة.
الاستثمار السياحي
ولا تقتصر الشراكة الأردنية الصينية على التجارة والاستثمار، فالسياحة الصينية تمثل سوقاً ضخمة للأردن، خصوصاً أن المملكة تمتلك مقومات سياحية متنوعة تشمل البتراء ووادي رم والبحر الميت والمواقع الدينية والتاريخية.
واستقطب الأردن أكثر من 19 ألف سائح صيني خلال عام 2025، فيما تستمر الجهود لتطوير الربط الجوي المباشر بما يسهم في زيادة أعداد السياح.
ويمكن للطيران أن يكون أحد المفاتيح الأساسية في هذا المجال، لأن نمو السياحة يحتاج إلى خطوط نقل منتظمة ومباشرة وأسعار تنافسية، إلى جانب حملات ترويجية موجهة للسائح الصيني.
أما التعليم، فيحمل بعداً إستراتيجياً طويل الأمد، مع وجود نحو 380 طالباً أردنياً في الصين ضمن قرابة 1900 أردني يقيمون هناك.
فالطلاب الذين يدرسون في الجامعات الصينية يمكن أن يشكلوا جسراً معرفياً وثقافياً واقتصادياً بين البلدين، خصوصاً إذا ارتبطت برامجهم بالتخصصات التي يحتاج إليها الاقتصاد الأردني.
ومع اقتراب الذكرى الخمسين للعلاقات الدبلوماسية الأردنية الصينية، تبدو الفرصة مواتية للانتقال بالعلاقة إلى مرحلة جديدة، فالعلاقات السياسية بين البلدين تتمتع بمستوى مرتفع من الثقة والاتصال، كما أن القيادتين الأردنية والصينية أظهرتا اهتماماً مستمراً بتطوير الشراكة.
وفي المقابل، تستطيع الصين أن تجد في الأردن شريكاً مستقراً في منطقة مضطربة، وبوابة إلى أسواق إقليمية، وموقعاً مناسباً لبعض الاستثمارات الصناعية والخدمية، فضلاً عن شريك سياسي يتمتع بعلاقات متوازنة مع مختلف الأطراف.
ويمكن النظر إلى زيارة جلالة الملك إلى الصين باعتبارها اختباراً لمدى قدرة الدبلوماسية الاقتصادية الأردنية على تحويل العلاقات السياسية المتميزة إلى مكاسب اقتصادية مباشرة، فالاجتماعات رفيعة المستوى والاتفاقيات ومذكرات التفاهم تمثل بداية الطريق حتى تتحول المباحثات إلى مصانع ومشروعات مشتركة، وتتحول الاتفاقيات إلى استثمارات، والاستثمارات إلى وظائف، والتكنولوجيا إلى قدرات أردنية، والعلاقة التجارية من سوق تستقبل المنتجات الصينية إلى شراكة ينتج فيها الأردن ويصدر إلى أسواق المنطقة والعالم.
وهذا بدوره يتطلب متابعة حثيثة من الحكومة والقطاع الخاص، وتحديد القطاعات ذات الأولوية، وتسهيل الإجراءات أمام المستثمرين، وربط الاستثمارات الأجنبية بسلاسل الإنتاج المحلية، وتطوير برامج تدريب ونقل معرفة، إلى جانب وضع أهداف واضحة لزيادة الصادرات الأردنية إلى الصين.

