سكة حديد العقبة.. إعادة رسم خريطة التنمية بالجنوب

العقبة – لسنوات طويلة وعقود ممتدة، اقتصر مشهد التنمية في العديد من القرى والمناطق المتناثرة على أطراف الطريق الصحراوي وفي عمق محافظات جنوب المملكة، على محاولات خجولة ومبادرات متقطعة لإنعاش الحركة التجارية، وسط مساحات شاسعة من الصمت الممتد على جنبات الجغرافيا الأردنية.
اليوم، تهب رياح التغيير الإستراتيجي مع إطلاق مشروع سكة حديد ميناء العقبة، الممتد لأكثر من 360 كيلومترا، ليعيد رسم مستقبل الجنوب، متجاوزا مشهد قاطرات الشحن العابرة في صمت الصحراء، ليغدو شريان حياة يعيد صياغة الخريطة الديموغرافية والاقتصادية، ومؤسسا لنهضة حضرية مستدامة تلامس عصب الحياة اليومية للمواطن الأردني، وتنهض بواقعه التنموي.
وفي خضم التحول الإستراتيجي للمشروع الأردني الإماراتي المشترك الذي أعلن عنه قبل يومين، تتجاوز الرؤية أبعاد نقل خامات الفوسفات وتقليل كلف الشحن، لتفصح عن خطة تنمية شاملة تحيل القرى الممتدة على مسار السكة إلى بؤر حيوية وتجمعات سكانية متكاملة، مستلهمة من التجارب العالمية، لتغدو هذه النقاط الجغرافية المعزولة مراكز جذب استثماري نابضة بالحياة، تساهم في توزيع مكتسبات التنمية بعدالة على مختلف المحافظات.
بهذا الخصوص، يقول خبراء ومواطنون، إن المشروع محرك إستراتيجي لخطة تنمية حضرية واقتصادية شاملة، ويضمن في النهاية توزيعا عادلا لمكتسبات التنمية على مختلف محافظات المملكة.
ويؤكد الخبير في التنمية الدكتور محمد السلايمة أهمية النظر إلى ما وراء القضبان الحديدية، مبينا الرؤية المستقبلية للمنطقة، حيث يقول: “نرى اليوم فرصة تاريخية لا تتكرر كثيرا في عمر الدول والاقتصادات الناشئة، فهذا المسار الطويل سيخلق حاجة ماسة لخدمات لوجستية مساندة على امتداد الطريق الصحراوي، مما يعني تحول مساحات شاسعة من أراض غير مستغلة، كانت تعد عبئا جغرافيا وتنمويا، إلى مناطق جاذبة للاستثمارات الصغيرة والمتوسطة، مثل محطات الصيانة الكبرى، ومستودعات التخزين الجاف والمبرد، ومرافق استراحة متطورة للعاملين في قطاع السكك والنقل البري المتكامل، لتصبح هذه المحطات بمثابة واحات اقتصادية حديثة تفرز فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لأبناء تلك المناطق الذين طالما عانوا من التهميش الاقتصادي والبطالة، لتتحول هذه المحطات إلى نواة لمدن ذكية تعتمد على الطاقة النظيفة وتكنولوجيا النقل الحديثة”.
ويشير السلايمة إلى أن هناك انعكاسات ديموغرافية حتمية لهذه البنية التحتية الضخمة، التي ستدفع بطبيعة الحال إلى إحداث هجرة عكسية من العاصمة عمان والمدن الكبرى باتجاه الجنوب، أو على أقل تقدير تثبيت السكان في مناطقهم الأصلية وتجذيرهم فيها عبر توفير بيئة حاضنة للعمل والإنتاج والابتكار، حيث ستتوفر فرص عمل جديدة ونوعية لا تقتصر على فترة الإنشاءات التي قد تستغرق بضع سنوات، بل تمتد إلى عمليات التشغيل والصيانة الدائمة وإدارة المرافق والخدمات التكنولوجية المرافقة لإدارة حركة القطارات وتأمين مساراتها، مما يفتح آفاقا واسعة أمام خريجي الجامعات الأردنية من أبناء المحافظات الجنوبية في تخصصات الهندسة المدنية والميكانيكية وتكنولوجيا المعلومات وإدارة الأعمال اللوجستية وسلاسل التزويد.
فرصة ذهبية للانتعاش
وينظر أبناء المحافظات الجنوبية والأغوار والمناطق المحاذية لمسار السكة إلى المشروع كرافعة اقتصادية وفرصة ذهبية لإنعاش قطاع المقاولات المحلي الذي عانى من ركود طويل وتحديات جمة، فالشركات الكبرى المنفذة للمشروع ستحتاج حتما إلى مقاولين فرعيين من أبناء المنطقة لتوريد المواد الأساسية من رمال وحصى وإسمنت، وتأجير الآليات الثقيلة، وتقديم الخدمات المساندة من إعاشة ونقل وتأمين، مما يعني ضخ سيولة نقدية مباشرة وكبيرة في شرايين الاقتصادات المحلية للقرى والبلدات المجاورة للمسار.
وهنا، يقول أحد أصحاب شركات المقاولات محمد الطراونة: “إننا نستعد لنكون جزءا أصيلا من بناء هذا الصرح الوطني، فكل كيلومتر يتم تعبيده أو مده بالحديد سيوفر مئات فرص العمل لشبابنا، وسيحرك أسواقنا الراكدة، ويعيد الروح لقطاعات النقل والمقاولات والتجارة في محافظاتنا التي تمتلك من المقومات البشرية والطبيعية ما يؤهلها لتكون شريكا حقيقيا في مسيرة التنمية الوطنية الشاملة، وليس مجرد متلق للخدمات”.
أما المواطن محمد الزوايدة من سكان الديسة، فيؤكد أنه في وقت تتجه أنظار المستثمرين الإقليميين والدوليين نحو ميناء العقبة كمركز إقليمي متطور للترانزيت والتجارة العالمية، تتجه أنظار آلاف الأردنيين في المحافظات الجنوبية نحو سكة الحديد كرافعة تنموية حقيقية وملموسة قادرة على تغيير واقعهم الاقتصادي والاجتماعي، مشيرا إلى أن نجاح هذا المشروع الوطني الاستراتيجي يقاس بحجم التغيير الإيجابي المستدام الذي سيتركه على جانبي مساره وفي حياة المواطنين وأهالي المناطق التي يعبرها، ليثبت للعالم أجمع وللأجيال القادمة حقيقة راسخة مفادها أن التنمية الحقيقية هي تلك التي تعبر من خلال الناس وتلامس حياتهم اليومية وتوفر لهم أسباب العيش الكريم قبل أن تعبر الحدود الجغرافية نحو الأسواق الخارجية.
ولا يقتصر الأثر التنموي على الجوانب الاقتصادية، بل يمتد ليشمل الأبعاد البيئية المستدامة، حيث تعتبر السكك الحديدية من أكثر وسائل النقل صداقة للبيئة مقارنة بأسطول الشاحنات الثقيلة التي تجوب الطريق الصحراوي يوميا، مخلفة انبعاثات كربونية هائلة وضغطا كبيرا على البنية التحتية للطرق.
فوائد بيئية للمشروع
من جهته، يوضح الخبير البيئي الدكتور محمد القطاونة، أن الفوائد البيئية للمشروع تتمثل في أن انتقال عمليات الشحن الكبرى من الشاحنات إلى القطارات سيؤدي إلى خفض ملموس في البصمة الكربونية لقطاع النقل الأردني، وسيقلل من حوادث السير القاتلة على الطريق الصحراوي، وسيطيل من العمر الافتراضي لشبكة الطرق البرية، مما يوفر على خزينة الدولة ملايين الدنانير التي كانت تنفق سنويا على أعمال الصيانة والترقيع، ليتم توجيه هذه المبالغ نحو مشاريع تنموية أخرى تخدم المواطن في قطاعات الصحة والتعليم.
ويعيد هذا المشروع الضخم إلى الأذهان بقوة الأثر التاريخي العميق لسكة حديد الحجاز، التي ساهمت في بدايات القرن الماضي في نشوء وازدهار مدن أردنية بأكملها مثل معان والمفرق، ومحطات أخرى تحولت بفضل السكة إلى مراكز تجارية وثقافية مشعة ربطت الشام بالحجاز.
واليوم، يرى مراقبون تشابها كبيرا بين الأمس واليوم، مؤكدين قدرة سكة العقبة الجديدة، بما تمتلكه من مقومات تكنولوجية واستثمارية هائلة، على خلق مدن سكك حديثة وذكية تعتمد على تقديم الخدمات اللوجستية، وتكون نقاط ارتكاز لتنمية زراعية وصناعية في محيطها، مستفيدة من ربط مناطق الإنتاج في وسط وجنوب المملكة بميناء العقبة، الذي يمثل بوابة الأردن نحو الأسواق العالمية، مما يسهل تصدير المنتجات الزراعية من الأغوار والصناعات الخفيفة والمتوسطة التي يمكن أن تنشأ في المناطق التنموية الممتدة على طول الخط الحديدي.
وتتضمن المخططات الشمولية للمشروع إنشاء موانئ برية جافة ومناطق لوجستية حرة على امتداد المسار، مما سيشجع الصناعات التحويلية على الانتقال إلى هذه المناطق للاستفادة من انخفاض كلف النقل وسهولة الوصول إلى موانئ التصدير، وهذا بدوره سيخلق منظومة اقتصادية متكاملة تعزز من تنافسية الاقتصاد الوطني، وتضع الأردن بقوة على خريطة النقل واللوجستيات الإقليمية والدولية كمركز عبور آمن وفعال.

