سكة حديد العقبة.. ممر اقتصادي جديد لنقل الثروات التعدينية

العقبة- يشكل وضع جلالة الملك عبدالله الثاني والشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، حجر الأساس لمشروع سكة حديد العقبة – الشيدية – معان، لحظة انتقال فعلية نحو بناء أحد أهم الممرات الاقتصادية واللوجستية في جنوب المملكة.
ويمنح بدء تنفيذ المشروع أملا واقعيا بإحداث تحول في طريقة نقل الثروات التعدينية الأردنية وربطها بمرافق التصدير في العقبة، ضمن منظومة أكثر انتظاما وكفاءة. كما يقدم دليلا عمليا على قدرة الأردن على تحويل شراكاته الإستراتيجية إلى مشاريع إنتاجية طويلة الأجل، ترتبط آثارها بالنمو والاستثمار وفرص العمل.
ويمتد الأثر المنتظر للسكة من مناجم الشيدية، مرورا بمعان ومينائها البري، وصولا إلى مرافق التخزين والتصدير في العقبة، لتصبح هذه المواقع الثلاثة حلقات مترابطة في سلسلة واحدة، بدلا من بقائها نقاطا إنتاجية ولوجستية تعمل ضمن وسائل نقل تتأثر بكلف الوقود وضغط الطرق وتفاوت مواعيد وصول الحمولات.
ويرى خبراء في النقل والاقتصاد أن أهمية المشروع تبدأ من وضوح وظيفته وحجم العمل الذي سيؤديه، إذ يستهدف نقل نحو 13 مليون طن من الفوسفات سنويا من الشيدية إلى العقبة، وهو حجم يمنح الخط قاعدة تشغيلية قوية، ويحول السكة إلى جزء مباشر من منظومة الإنتاج والتصدير، لا إلى بنية تحتية منفصلة عن النشاط الاقتصادي.
ويعني نقل هذه الكميات بالقطارات أن الفوسفات سيغادر مناطق الإنتاج وفق جداول محددة، ويصل إلى العقبة بتدفقات أكثر انتظاما، ما يساعد شركات التعدين على تنسيق عمليات الاستخراج والتخزين والنقل، ويمنح الميناء قدرة أفضل على تنظيم المناولة والتحميل وفقاً لمواعيد وصول السفن.
ومن وجهة نظر أستاذ الاقتصاد الدكتور إبراهيم النعيمات، فإن المشروع يوفر مسارا أكثر كفاءة لنقل كميات كبيرة من الفوسفات، ويقلل التفاوت في مواعيد وصول الشحنات، مؤكدا أن انتظام التدفقات بين الشيدية والعقبة يرفع قدرة الشركات على التخطيط ويلبي احتياجات التصدير بمرونة أكبر.
وأضاف أن انتظام النقل يعزز موثوقية سلسلة الإمداد الأردنية أمام المستوردين والأسواق العالمية، إذ إن الالتزام بالمواعيد والكميات يمثل عنصرا أساسيا في تنافسية صادرات التعدين، إلى جانب السعر والجودة.
وأشار النعيمات إلى أن المشروع سيخفف الضغط عن الطرق الجنوبية، ويقلل استهلاك الوقود والانبعاثات الناتجة عن حركة أعداد كبيرة من الشاحنات الثقيلة لمسافات طويلة، كما يسهم في الحد من استنزاف الطرق وخفض الحاجة إلى أعمال الصيانة المتكررة، فضلاً عن تقليل مخاطر الحوادث.
وتقف معان أمام فرصة تتجاوز مرور القطارات في أراضيها، إذ يهيئ ربط السكة بميناء معان البري بيئة قادرة على استقطاب أنشطة التخزين والتوزيع والمناولة والصيانة، بما يعزز موقع المحافظة مركزا لوجستيا يخدم الجنوب ويربطه بالعقبة ومناطق الإنتاج.
وبحسب خبير النقل أيمن النعيمات، فإن وجود الميناء البري على مسار السكة يمنح معان وظيفة اقتصادية جديدة، موضحا أن المحافظة ستصبح نقطة لتجميع البضائع وتخزينها وإعادة توزيعها، بدلا من أن تبقى منطقة عبور للحمولات بين مواقع الإنتاج والميناء.
وأضاف أن هذا الربط يفتح المجال أمام إقامة مستودعات وساحات للحاويات ومراكز للمناولة، إلى جانب خدمات التعبئة والتغليف والصيانة والأعمال الفنية والهندسية، كما يتيح لشركات المقاولات والنقل والمؤسسات المحلية فرصة المشاركة في سلاسل التوريد خلال مرحلتي الإنشاء والتشغيل.
ولفت النعيمات إلى أنه يمكن لميناء معان البري أن يستقبل البضائع ومدخلات الإنتاج القادمة من العقبة، ثم يعيد توزيعها على المصانع والأسواق، وفي الاتجاه الآخر يجمع المنتجات والمواد المراد تصديرها قبل نقلها إلى الميناء، بما يدعم تشغيل السكة في الاتجاهين ويرفع كفاءتها الاقتصادية.
كما أشار إلى أن هذا الدور يعطي بعدا تنمويا مباشرا، لا سيما أن المشروع يحتاج عند تشغيله إلى فنيين في الميكانيك والكهرباء والإشارات والاتصالات والسلامة، إضافة إلى العاملين في المستودعات والمناولة وإدارة الحركة، ما يجعل التدريب المهني المبكر مدخلاً ضرورياً لضمان استفادة أبناء المنطقة.
من جهته، قال رئيس مجلس إدارة الشركة الأردنية الإماراتية للقطارات الدكتور محمد الذنيبات، إن المشروع يمثل رؤية مستقبلية واثقة لنهضة اقتصادية واستثمارية ولوجستية شاملة، ويجسد عمق العلاقات التاريخية بين الأردن ودولة الإمارات، مشيرا إلى دوره في “رفع كفاءة قطاع النقل وتقليل الكلف التشغيلية”، وفتح استثمارات تعزز النمو والتشغيل.
وتتولى الشركة الأردنية الإماراتية للقطارات تنفيذ المشروع بالتعاون مع شركة الاتحاد للقطارات، بما يتيح الاستفادة من الخبرات المتراكمة في بناء وتشغيل شبكات السكك الحديثة، ويقدم نموذجا للشراكة التي تجمع الأولويات الوطنية بالخبرة الفنية والقدرة الاستثمارية طويلة الأجل.
إلى ذلك، أكد نائب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة الاتحاد للقطارات المهندس شادي ملك أن المشروع يمثل “شريانا اقتصاديا جديدا يربط موارد الأردن ومراكزه الإنتاجية بميناء العقبة والأسواق العالمية”، مبينا أنه يفتح آفاقا للاستثمار والعمل ويرسخ مكانة العقبة التجارية.

