سور إربد القديم.. شاهد على آلاف السنين ينتظر تعزيز حضوره السياحي

إربد- رغم تعاقب آلاف السنين وتبدل الحضارات التي مرت على مدينة إربد، ما تزال بقايا سورها القديم تتربع على تل إربد الأثري، شاهدة على تاريخ طويل من الصمود والتحصين والحياة، وسط مطالب مختصين وناشطين بتعزيز الجهود للحفاظ على هذا الإرث التاريخي وتحويله إلى محطة رئيسة على خريطة السياحة الثقافية في المملكة.

ولا تعد الحجارة البازلتية مجرد بقايا أثرية، بل صفحات مفتوحة تروي قصة مدينة عرفت قديما باسم “أربيلا”، وشكلت مركزا حضاريا وتجاريا مهما في شمال الأردن، حيث يعد سور إربد القديم جزءا أساسيا من تل إربد الأثري، الذي تشير الدراسات الأثرية إلى أنه كان مأهولا منذ العصر البرونزي المبكر قبل أكثر من خمسة آلاف عام، واستمر التل مركزا حضريا مهما خلال العصور الحديدية والرومانية والبيزنطية والإسلامية، ما جعله شاهدا على مراحل تاريخية متعاقبة أسهمت في تشكيل هوية المدينة وتطورها العمراني والحضاري.
وبحسب المهندسة المتخصصة في السياحة المستدامة آلاء عبابنة، فإن السور يمثل أحد أهم الشواهد العمرانية على تطور مدينة إربد عبر التاريخ، موضحة أن إنشاءه جاء ليشكل خط الدفاع الأول عن السكان والمراكز الإدارية ومستودعات الحبوب التي كانت تشكل عصب الحياة الاقتصادية في تلك الفترات.
وأضافت أن الموقع الإستراتيجي لإربد على شبكة طرق التجارة القديمة منحها أهمية كبيرة، الأمر الذي استدعى إقامة تحصينات قوية لحماية المدينة وتأمين القوافل التجارية التي كانت تعبر المنطقة.
وأشارت عبابنة، إلى أن السور لم يكن مجرد بناء دفاعي، بل كان جزءا من منظومة حضرية متكاملة تعكس مستوى التنظيم والتخطيط الذي شهدته المدينة في مراحل تاريخية مختلفة، لافتة إلى أن السور تميز باستخدام حجارة البازلت السوداء المنتشرة في منطقة حوران وشمال الأردن، وهي مادة إنشائية عرفت بصلابتها وقدرتها على مقاومة عوامل التعرية والتقلبات المناخية. وأسهم استخدام البازلت في منح التحصينات قوة ومتانة استثنائية، كما ساعد في تشكيل الهوية البصرية المميزة للمدينة القديمة التي ما تزال آثارها واضحة حتى اليوم في العديد من المباني التراثية.
تقنيات بناء متقدمة
وتكشف البقايا الأثرية المتبقية من السور عن تقنيات بناء متقدمة اعتمدها سكان المنطقة في ذلك الوقت، حيث استخدمت الحجارة الضخمة في الأساسات لضمان ثبات المنشآت على منحدرات التل، فيما استخدمت الحجارة المشذبة بعناية في الأجزاء العلوية من البناء. كما تشير الدلائل الأثرية إلى وجود أبراج مراقبة كانت تنتشر على امتداد التحصينات، وتوفر رؤية واسعة للسهول المحيطة، الأمر الذي مكن السكان من رصد أي تحركات أو أخطار محتملة قبل وصولها إلى المدينة.
وخلال العصر الروماني، الذي عرفت فيه المدينة باسم “أربيلا”، شهد السور توسعات وتحسينات هندسية مهمة جعلته جزءا من منظومة دفاعية متكاملة تخدم شبكة الطرق الرومانية الممتدة بين شمال الأردن وجنوب سورية وفلسطين.
وقد انعكس الازدهار الاقتصادي والتجاري الذي شهدته المنطقة آنذاك على البنية التحتية للمدينة، حيث لعب السور دورا رئيسا في حماية الحركة التجارية وضمان استقرار النشاط الاقتصادي.
ومع تعاقب العصور، استمرت أهمية التل والسور وإن اختلفت وظائفهما. ففي الفترات الإسلامية المتعاقبة ظل الموقع يمثل مركزا عمرانيا مهما، بينما شهدت المدينة خلال أواخر العهد العثماني وبدايات القرن العشرين تحولات كبيرة مع ازدياد أهميتها الإدارية والسياسية.
وفي تلك المرحلة اندمجت التحصينات القديمة تدريجيا مع النسيج العمراني الحديث، وظهرت بالقرب منها مبان تراثية وإدارية بارزة، كان من أهمها سرايا إربد التي تحولت لاحقا إلى متحف أثري يضم العديد من المكتشفات التي توثق تاريخ المنطقة.
من جهته، يؤكد الناشط في العمل التطوعي أحمد طبيشات أن ما تبقى من السور اليوم لا يمثل مجرد بقايا حجرية أو أطلال أثرية، بل يشكل جزءا من الذاكرة الجمعية لسكان إربد، إذ يعكس مراحل تطور المدينة وتحولها من تجمع سكاني صغير إلى واحدة من أكبر المدن الأردنية وأكثرها حيوية.
ويرى أن الحفاظ على هذه المعالم التاريخية وتوثيقها يعد واجبا وطنيا وثقافيا يسهم في حماية الهوية الحضارية للأجيال القادمة. وأضاف طبيشات أن العديد من المدن العالمية استطاعت تحويل مواقعها التاريخية إلى عناصر جذب سياحي واقتصادي وثقافي، الأمر الذي يمكن أن يتحقق في إربد من خلال تعزيز برامج الترميم والتأهيل وتوفير مسارات سياحية وتعريفية تسلط الضوء على أهمية السور وتاريخه، مبينا أن الاستثمار في السياحة الثقافية والتراثية لا يسهم فقط في الحفاظ على المواقع الأثرية، بل يخلق أيضا فرصا اقتصادية جديدة ويدعم جهود التنمية المستدامة.
أما الناشط المجتمعي وصاحب مبادرة “إربد أبهى” محمود هياجنة، فيرى إن سور إربد القديم يمثل أحد أهم الشواهد الحية على تاريخ المدينة، ويستحق أن يحظى باهتمام أكبر من مختلف الجهات المعنية، باعتباره جزءا أصيلا من هوية إربد وذاكرتها الحضارية.
وأضاف أن الكثير من أبناء المحافظة يجهلون القيمة التاريخية لهذا المعلم بسبب ضعف التعريف به وغياب اللوحات الإرشادية والبرامج التوعوية التي تسلط الضوء على أهميته.
فعاليات بمحيط الموقع
كما أكد هياجنة، أن الحفاظ على السور لا يقتصر على أعمال الترميم فقط، بل يتطلب دمجه ضمن المسارات السياحية والثقافية التي تشمل تل إربد الأثري ومتحف السرايا ووسط المدينة القديم، بما يتيح للزوار التعرف على تاريخ المدينة بصورة متكاملة.
وأشار إلى أن مبادرة “إربد أبهى” دأبت على تنفيذ أنشطة مجتمعية تهدف إلى تعزيز ثقافة المحافظة على الإرث التاريخي، إيمانا بأن حماية المواقع الأثرية مسؤولية مشتركة بين المؤسسات الرسمية والمجتمع المحلي، داعيا إلى إطلاق فعاليات ومهرجانات ثقافية في محيط الموقع تسهم في إحيائه وتعزيز حضوره كوجهة سياحية وثقافية بارزة في شمال المملكة.
من جانبه، أكد الناطق الإعلامي لبلدية إربد الكبرى غيث التل أن البلدية تولي المواقع التراثية والأثرية في المدينة اهتماما خاصا نظرا لما تمثله من قيمة تاريخية وثقافية تعكس هوية إربد وتاريخها الحضاري الممتد عبر آلاف السنين. وأشار التل إلى أن البلدية تعمل بالتعاون مع الجهات المختصة، وفي مقدمتها دائرة الآثار العامة، على المحافظة على هذه المواقع وإبرازها ضمن المشهد الحضري للمدينة، بما يسهم في تعزيز السياحة الثقافية وزيادة الوعي بأهمية الإرث التاريخي الذي تحتضنه إربد.
وأضاف أن البلدية تحرص على تنفيذ مشاريع تطويرية في محيط المواقع التراثية والأثرية بما ينسجم مع متطلبات الحفاظ عليها، إلى جانب تحسين البنية التحتية والخدمات المحيطة بها، الأمر الذي يسهم في توفير بيئة مناسبة للزوار والباحثين والمهتمين بالتاريخ والتراث.
وأوضح التل، أن مشاريع تطوير وسط مدينة إربد تأخذ بعين الاعتبار البعد التراثي والتاريخي للمنطقة، وتهدف إلى تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية الحديثة والحفاظ على الموروث الحضاري، بما يضمن استدامة هذه المعالم للأجيال القادمة.
من جهته، أكد مصدر في دائرة الآثار العامة أن بقايا سور إربد القديم تعد جزءا من موقع تل إربد الأثري المسجل ضمن المواقع الأثرية المحمية، وتحظى باهتمام الدائرة من خلال أعمال التوثيق والمتابعة الدورية، وبالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة للحفاظ على الموقع وفق الأصول والمعايير المعتمدة.
وأضاف أن أي أعمال ترميم أو تأهيل للموقع تخضع لدراسات أثرية وفنية متخصصة، بما يضمن الحفاظ على أصالة المعلم وقيمته التاريخية، مشيرا إلى أن الدائرة تعمل على تنفيذ برامج تهدف إلى حماية المواقع الأثرية وتعزيز الوعي المجتمعي بأهميتها بوصفها جزءا من الهوية الوطنية والإرث الحضاري.
وأوضح المصدر، أن دائرة الآثار العامة ترحب بأي مبادرات تسهم في التعريف بالمواقع الأثرية وإبراز قيمتها التاريخية، شريطة أن تتم بالتنسيق مع الجهات المختصة، مؤكدا أن الحفاظ على سور إربد القديم مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تكاتف الجهود الرسمية والمجتمعية لضمان استدامته للأجيال القادمة.

 أحمد التميمي/ الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة