سوق نهر الذهب في جرش.. من طوق نجاة لأصحاب البسطات إلى حلم مؤجل

جرش- يعمل آلاف المواطنين بمحافظة جرش في مهنة البيع على البسطات كخيار اضطراري فرضته الظروف الاقتصادية، في ظل تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، وسط خيبة أمل خشية طول انتظار إنجاز سوق نهر الذهب الذي كان من المرتقب أن ينظم عمل البسطات.

ورغم أن نشاط العمل في البسطات يوفر دخلا يوميا يساعد على تلبية الاحتياجات الأساسية لأصحابها وأسرهم، إلا أنه يتم خارج الأطر القانونية المنظمة، ما يعرض العاملين فيه لمشكلات مستمرة، أبرزها الملاحقات، ومصادرة البضائع، وعدم الاستقرار المالي، ومع غياب حلول تنظيمية واضحة، تبقى هذه الفئة عالقة بين متطلبات العيش اليومي وإجراءات تهدف إلى ضبط الشارع، من دون معالجة حقيقية لجذور المشكلة.
وتشكل البسطات جزءا مما يعرف بالاقتصاد غير المنظم، حيث يعتمد آلاف المواطنين على هذه المهنة كمصدر دخل رئيسي، في ظل محدودية فرص العمل الرسمية، وتنتشر البسطات بشكل لافت، مقدمة سلعا متنوعة تبدأ من الخضار والفواكه، مرورا بالملابس والأدوات المنزلية، وصولا إلى الأطعمة الشعبية.
ورغم بساطة هذا النشاط، إلا أنه يحمل في طياته أهمية اقتصادية واجتماعية كبيرة، إذ يوفر دخلا يوميا سريعا، ويخفف من حدة الفقر لدى فئات واسعة، خصوصا من العمالة غير المؤهلة أو كبار السن، أو حتى الشباب العاطلين عن العمل.
وشكل تعثر مشروع سوق نهر الذهب مثالا واضحا على غياب الحلول العملية لتنظيم عمل أصحاب البسطات، رغم طرحه سابقا كبديل قادر على استيعابهم ضمن بيئة منظمة وآمنة، فالمشروع، الذي كان من المفترض أن يوفر مساحة مخصصة للبسطات ويخفف من الفوضى في الشوارع، ما يزال حبيس الوعود والتأجيلات، من دون تنفيذ فعلي على أرض الواقع.
ولا يعني هذا التعثر فقط تعطيل مشروع خدمي، بل يفاقم من معاناة مئات الأسر التي كانت تعول عليه كمخرج من حالة عدم الاستقرار والملاحقات اليومية، وفي ظل استمرار غياب هذا المنفذ، تبقى البسطات في الشارع خيارا وحيدا، وتبقى المشكلة قائمة من دون حلول جذرية، ما يعكس خللا في إدارة هذا الملف وتأخرا في ترجمة الخطط إلى واقع ملموس.
حالة توتر دائم
وبحسب البائع أحمد الحوامدة، فإن أبرز التحديات التي يواجهها أصحاب البسطات تتمثل في الملاحقات المستمرة من قبل الجهات الرقابية التي تسعى لتنظيم الأسواق والحد من التعديات على الأرصفة، مضيفا أن هذه الحملات، ورغم مشروعيتها من ناحية تنظيمية، تدخل الباعة في حالة توتر دائم.
وأضاف، أن عمل البسطات لا يخضع لأي شكل من أشكال الحماية الاجتماعية، فلا تأمين صحي، ولا ضمان اجتماعي، ولا حتى دخل ثابت، إذ يعتمد البائع على حركة السوق اليومية التي تتأثر بعوامل عديدة، مثل الطقس، والمواسم، والوضع الاقتصادي العام.
وبين الحوامدة، أنه في أيام الركود قد يعود البائع إلى منزله من دون أن يبيع شيئا، بينما تبقى الالتزامات المعيشية قائمة من إيجارات وفواتير ومتطلبات أسرية، فضلا عن أن أصحاب البسطات يعانون نظرة متباينة من المجتمع؛ فبينما يرى فيهم البعض مصدر إزعاج وفوضى مرورية، يعتبرهم آخرون جزءا من الحياة اليومية، وملاذا لشراء السلع بأسعار مناسبة.
بدوره، قال التاجر مهند الريموني، إن المشكلة الأعمق تكمن في غياب حلول جذرية ومستدامة، فإزالة البسطات من دون توفير بدائل حقيقية، مثل أسواق شعبية منظمة أو تصاريح عمل ميسرة، تدفع الباعة للعودة مجددا إلى الشارع، في حلقة مفرغة من الكر والفر.
ويؤكد الريموني، أن التعامل مع هذه الظاهرة يجب أن يكون من منظور تنموي، لا إداري وأمني فقط، عبر إدماج الباعة في الاقتصاد الرسمي، وتوفير بيئة عمل تحفظ كرامتهم وتضمن حقوقهم.
أما البائع إبراهيم بنات، فيقول إن وراء كل بسطة حكاية، قد تكون لأب يعيل أسرة كبيرة، أو شاب فقد عمله، أو امرأة تحاول دعم دخل عائلتها، وهذه القصص تظهر أن البسطة ليست خيارا، بل اضطرار فرضته الظروف.
ويرى بنات، أن أصحاب البسطات ليسوا مجرد ظاهرة عابرة في المشهد الحضري، بل هم انعكاس مباشر لتحديات اقتصادية أعمق، وبين الحاجة إلى تنظيم المدن وضرورة حماية مصادر الرزق، تبقى المعادلة صعبة، لكنها ليست مستحيلة.
وأضاف أن الحل لا يكمن في إزالة البسطات، بل في الاحتواء والتنظيم الذكي، الذي يوازن بين النظام والإنسان، ويمنح هؤلاء الباعة فرصة حقيقية للعيش بكرامة بعيدا عن الخوف والملاحقة.
وبرر عدد من أصحاب البسطات استخدامهم لها، رغم معرفتهم بأنها مخالفة قانونية، لأنها بلا كلفة مادية، والاستفادة من السياحة الداخلية وعودة المغتربين لتسويق وعرض منتجاتهم بأقل التكاليف، مقارنة مع العمل داخل محال تجارية تحتاج إلى أجور وترخيص وأجور عمال وغيرها من الفواتير والضرائب.
وأوضحوا أن هذا العمل يوفر لهم دخلا لا يقل عن 25 دينارا يوميا، على الرغم من المخاطر التي يتعرضون لها في البيع على الطرقات الرئيسية، وأبرز هذه التحديات حوادث السير، وملاحقة الجهات المعنية من أشغال وبلديات لهم لإبعادهم عن الطرقات، كون البسطات غير مرخصة وتعتدي على حرم الشارع الرئيسي.
مطالب بإقامة سوق دائم
ووفق الناشط نصر العتوم، فثمة مطالب بإقامة سوق دائم في مدينة جرش لعرض المنتجات الجرشية كافة فيه على مدار العام، وفتح المجال أمام المشاريع والبسطات والمتعطلين لاستثمار الموقع والعمل فيه، وأن يكون قريبا من المواقع السياحية وسهل الوصول إليه على مدار الساعة، بتنظيم وإشراف من جهة حكومية تعمل على إدارة الموقع وتقدم فيه الخدمات اللوجستية والفنية المطلوبة.
وقال العتوم إن هذا المشروع الاستثماري غير مكلف، ويحتاج إلى موقع مناسب وخدمات ومرافق عامة بسيطة، وهو لا يحتاج إلى مبان، وسيكون مناسبا في مدينة جرش كونها تتميز بالحرف والمهن والفنون المختلفة، وفيها مطابخ إنتاجية كبيرة ومتعددة، فضلا عن وجود آلاف من المتعطلين عن العمل الذين ينتظرون الوظائف الحكومية من دون جدوى.
إلى ذلك، أكد مصدر مطلع في أشغال جرش، أن وجود بسطات على الطرقات يعد مخالفة قانونية، ولا يسمح بوجودها نهائيا، ولا يوجد أي قانون يرخصها أو يسمح بوجودها في حرم الطريق مهما كان سبب وجودها.
وأضاف أن الأشغال تقوم بالتعاون مع الجهات المعنية، بتنفيذ حملات دائمة ومستمرة لإزالة البسطات ومنع الاعتداء على حرم الشارع الرئيسي، لكن أصحابها ما يلبثون أن يعودوا للعمل عليها وعلى جوانب الطرقات الرئيسية.
وبين المصدر ذاته، أن البسطات التي يسمح بوجودها هي التي توضع في أراض مملوكة لأصحابها، ولا تتعدى على حرم الطريق العام، وهي حالات قليلة ويتم متابعتها.
من جانبها، قالت رئيس قسم الإعلام في بلدية جرش الكبرى رجاء العتوم “إن البلدية طرحت فكرة مشروع سوق نهر الذهب نهاية العام الماضي، بالشراكة مع بلدية جرش، وبالتعاون مع مديرية سياحة جرش وشرطة المحافظة، ضمن جهود تعزيز الهوية السياحية للمدينة وتوسيع مجالات السياحة العائلية، إلا أن المشروع لم ينفذ لغاية الآن لأسباب تتعلق بالظروف المناخية والظروف السياسية التي تمر بها المنطقة”.
كما أوضح رئيس لجنة بلدية جرش الكبرى، محمد بني ياسين، في تصريحات سابقة، أن الهدف من سوق نهر الذهب، هو خلق يوم تسوق عائلي يشارك فيه السائح إلى جانب أبناء المجتمع المحلي، مع إتاحة الفرصة لوحدة تمكين المرأة لتوفير عربات وأماكن مناسبة لعرض منتجات المشاركات، بما يعزز دور المرأة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

 

 صابرين الطعيمات/ الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة