شجرة المهراس والكحل والزفة.. موروثات أردنية وعربية تعزز حضورها عالميا

عمان– عادات وموروثات ثقافية نشأت عليها أجيال، قد يأتيها زمان تتلاشى فيه عن الظهور، ولكن جيلا آخر يأتي ليحيي تلك الموروثات الشعبية غير المادية، فتظهر أهميتها في ترسيخ التراث الوطني، وتستحوذ على اهتمام المنظمات العالمية ذات العلاقة بـ”الموروث المجتمعي”.
مؤخرا، وعبر موقعها الرسمي، اعتمدت منظمة اليونسكو عدة تقاليد متوارثة منذ القدم في العالم العربي لتكون على قائمة التراث غير المادي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومن ضمنها مجموعة من التقاليد التي يعد الأردن جزءا منها، مثل “الملابس الاحتفالية وتقاليد الطهي وطقوس الزفاف”، بحسب تقرير اليونسكو.
الكحل الأسود التقليدي
ويُعد “الكحل” أداة التجميل التي استخدمتها النساء في العالم العربي والأردن منذ عقود، أحد تلك الموروثات غير المادية التي اعتمدتها اليونسكو.
والكحل الذي يتحدث عنه القائمون على اختيار هذه التقاليد هو الكحل الأسود التقليدي، المتعارف عليه لدى القدماء، وما زال بعضهم يستعمله حتى هذه الأيام، رغم التطور الذي طرأ على مادة الكحل، وإنتاج مئات الماركات العالمية المختلفة.
بالإضافة إلى اعتماد لباس “البشت”، أو ما يُعرف باسم “العباءة”، في الأردن، وهو غطاء يوضع فوق لباس الرجل، ويتغنى الناس بقيمته المعنوية التي تحمل معاني الرجولة والسيادة، وكانت العديد من الأسر تغطي العروس عند خروجها من البيت بـ”عباية الخال” تكريما لها.
ومن الطقوس التي يمارسها الناس في العالم العربي، وتهتم بها العائلات في مختلف مناطق الأردن، “الزفة” أو زفة العرسان، التي تتضمن الكثير من الفعاليات الاحتفالية، من موكب وأغانٍ تراثية ما زال المجتمع الأردني يتغنى بها ويردد كلماتها، وما يرافق ذلك من إخراج العروس من بيتها، وإقامة وليمة العرس، وليلة الحناء، وإقامة ليالي السمر، ووجود بعض العادات القديمة المتوارثة، والتي أقرت اليونسكو اعتمادها كموروث ثقافي غير مادي في قائمتها.
شجرة الزيتون “المهراس”
ومن ضمن أبرز ما تم اعتماده رسميا لدى اليونسكو في الأردن، شجرة زيتون تُسمى “المهراس”، والتي تتميز بحجمها الكبير وعمرها الممتد لسنوات طويلة جدا، لذلك تتوارثها الأجيال ضمن العائلات المالكة لها، ويحتاج قطافها في موسم الزيتون إلى فترة طويلة ومساعدة وفزعة من الأسرة، لذا تُعد إحدى الفعاليات الموسمية التي يشهدها الأردن خلال موسم قطاف الزيتون.
كما يُعد جهاز “النول”، أو “السدو” كما يُطلق عليه أيضا في دول الخليج العربي، والذي تستخدمه النساء غالبا في نسيج الأقمشة الصوفية بطريقة منمقة ومتسلسلة، من الأدوات التي تعكس ثقافة الدولة وتراثها، وما زال بعضهم يستخدمه من باب المحافظة على سُلوك من التراث القديم، أو لكون المهنة متوارثة عن الأجداد منذ عقود.
هوية تراثية أصيلة
ولأهمية هذه الاعتمادات العالمية في هذا المجال، يؤكد خبير التراث الأردني نايف النوايسة أن الهدف من الاهتمام بالتراث لا يقتصر على جمعه ورصده فقط، ثم انتهاء الأمر عند هذا الحد، بل إن الغاية الحقيقية تكمن في تعزيزه وخلق أجنحة ثقافية واسعة للترويج له، حتى نُشعر الآخرين بأن لنا هوية تراثية أصيلة، متصلة بالبعد القومي والوطني.
ويصف النوايسة ذلك بقوله إن شجرة الحضارة لا تمتد ولا تحلق بأغصانها إلا إذا كانت لها جذور ثابتة في الأرض، وهذه الجذور إن لم تتعهد بالعناية والاهتمام فإنها تذبل وتموت، وتتحول الشجرة إلى مجرد حطبة بالية، وكذلك هو حال التراث.
عناصر تراثية بالأردن في واجهة الاهتمام
ويشدد النوايسة على أن التراث الأردني غني جدا، ويؤكد على ذلك في أكثر من مجال، سواء في الكتابة أو في المؤتمرات، أو من خلال طبيعة العلاقة مع المنظمات المعنية بالتراث، العربية منها والأجنبية، وعلى رأسها منظمة اليونسكو، مشيرا إلى أن في الأردن عناصر تراثية مهمة جدا تستحق أن تكون في واجهة الاهتمام الإعلامي وعلى المستوى العالمي، بحسب النوايسة.
وكان المنسف في مقدمة هذه العناصر، حيث تم تسجيله على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية في اليونسكو، وتبع ذلك تسجيل عدد من العناصر التراثية الأخرى، مثل الدور الطينية، وقريبا تم تسجيل شجرة المهراس، هذه الشجرة المعمرة الموجودة في شمال الأردن، والتي تعد من أهم أشجار الزيتون في العالم، بل وربما يذهب بعضهم إلى اعتبارها أم أشجار الزيتون في العالم.
وحول ما تم اعتماده مؤخرا من تراث غير مادي أردني وعربي في اليونسكو، يبين النوايسة أنه تم تسجيل عدد من العناصر التراثية، مثل الكحل والعباءة التي عرفت في منطقة الخليج باسم البشت، وهي في الأصل العباءة، ويبدو أن هناك عناصر تراثية مشتركة بين الأردن وعدد من الدول العربية، ومنها الكحل، وخاصة الكحل الذي يصنع حاليا من شجرة الشيح، إضافة إلى بعض الألعاب الشعبية التي تربطنا ثقافيا مع سورية وغيرها من الدول المجاورة.
الموروث التراثي المتعلق بالجمال
وحول هذا الموروث التراثي المتعلق بالجمال وإبرازه في الأردن منذ القدم، تقول المهتمة بشؤون التراث والمصورة الفوتوغرافية للطبيعة البدوية في الأردن، غزوة العون، إن الكحل أكثر من زينة في حياة البدو، إذ لم يكن مجرد وسيلة للتزين، بل حمل دلالات صحية واجتماعية ورمزية.
ومن الملاحظات التي تثير التساؤل، وفق العون، ما يقال عن خلط الكحل بالزيت، خاصة أن حياة البدو الرحل لم تكن تعرف الزيت بسهولة في الأزمنة القديمة، ما يجعل هذه المعلومة بحاجة إلى تفسير أو توثيق أدق.
ويستخدم الكحل في المجتمع الأردني منذ القدم، ابتداء من لحظة ولادة الطفل، حيث كانت تكحل عينا المولود اعتقادا بأنه يقوي النظر ويحمي العين من الأذى، وهي عادة ما زالت حاضرة حتى اليوم، وإن كانت أقل انتشارا.
وتضيف العون أن النساء والفتيات كنّ يستخدمن الكحل لتزيين عيونهن، بينما استخدمه الرجال والشباب كرمز للقوة والشجاعة، وكانوا يعبرون عن ذلك بقولهم “غَوَا”. وكان الكحل يُحفظ في أداة تُعرف بالمرود، والتي صُنعت قديما من الخشب ثم من النحاس لاحقا.
وقد اشتهر البدو بجمال عيونهم وكثرة اكتحالهم، حتى انعكس ذلك على أسماء بعض أنواع الوشم، مثل “كحل” و”كحلة القط”، وذلك بحسب العون.
العلاقة مع الأرض وعملية بناء الحضارة
وخلاصة القول، يرى النوايسة أن تسجيل هذه العناصر على قوائم اليونسكو يحقق مردودا مهما على المستويين المعنوي والمادي.
فعلى الصعيد المعنوي، يُظهر هذا التسجيل للعالم أن الأردن والدول العربية يمتلكون تراثا غنيا وأصيلا يستحق الإدراج على القائمة الإنسانية، ويؤكد أن هذه المنطقة ليست مجرد ممر للحضارات أو جزء منعزل من شجرة التاريخ، بل هي صانعة للحضارات ذاتها.
ووفقا له، يرتبط التراث الشعبي بالإنسان وعلاقته بالأرض وعملية بناء الحضارة، مما يبرز أهمية الانتباه إلى هذا الجانب.
وبصفته عضوا في اللجنة الوطنية العليا المعنية بالشأن التراثي، أوضح النوايسة أن هناك اهتماما بهذا الملف والبحث عن عناصر تراثية أردنية متميزة بهدف تسجيلها في قائمة التراث الإنساني، مما يضيف بعدا وعمقا للبناء الثقافي للأردن، وهو بناء متصل اتصالا وثيقا بالبناء التراثي والحضاري العربي والإنساني.
يذكر أن القائمة، التي أُنشئت عام 2008، تهدف إلى ضمان حماية أفضل للتراث الثقافي وتعزيز أهميته، وقد أُعدت قائمة هذا العام خلال جلسة عامة عُقدت في نيودلهي.

