صناعة الإسقاط: كيف تحارب المجتمعات الجاهلة مصلحيها؟ // ابراهيم القعير

تغريبة الحق.. أطول معاناة في تاريخ البشرية. سفينة نوح وثمن الإصلاح.هو أول غيث النبوة المرسل إلى الأرض بعد أن أظلّها غمام الشرك، وأحد أولي العزم الذين حملوا مشاعل النور في ليل الإنسانية البهيم، والجد الثاني الذي تناسلت من صبره البشرية. إن ما كابده سيدنا نوح -عليه السلام- في مجابهة قومه يمثّل السفر الأطول والأقسى في تاريخ المعاناة الإنسانية؛ إذ امتدت مكابدته تسعمائة وخمسين عاماً، تجرّع خلالها غصص الصدّ والجحود، واعتصم بالصبر الجميل في قلةٍ مستضعفة لم تزدها الأيام إلا ثباتاً. ولم تكن وطأة المحنة مقصورة على عداء العشيرة، بل تغلغلت إلى سويداء بيته؛ إذ خانته امرأته بكفرها، فكانت تفشي سرّه وتنبذه بالجنون، وتوّجت الرزية بفقد ولده (كنعان) الذي عصى واستكبر، فابتلعه الطوفان غرقاً أمام ناظريه، ليتجرع الأب مرارة الفقد وحسرة العقوق معاً.
والمتأمل في الذكر الحكيم يستجلي خمسة أساليب ممنهجة لإسقاط أهل الحق، صاغتها الجاهلية الأولى (بنو راسب) وتوارثتها المجتمعات المستكبرة عبر العصور كابراً عن كابر:
1. هدم الرمز والانتقاص من قدره:
أولى كنانات الباطل هي السعي الحثيث للحطّ من مكانة الداعي، والتقليل من شأنه عبر تساؤلات تافهة تطعن في أهليته؛ فيدّعون حداثة سنه، أو غربته عن المِصر، أو ضآلة معارفه. وهكذا واجه قوم نوح نبيّهم بالاستهزاء والتهكم كلما شرع في بناء أسباب النجاة، كما صوّر القرآن الكريم هذا الصَّلف في قوله تعالى: {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} [هود: 38].
2. محاكمة النوايا والطعن في المقاصد:
إذا عجز الباطل عن مقارعة الحجة، عمد إلى تزييف الدوافع؛ فيشيع أن المصلح لا يبتغي بنصحه إلا مآرب شخصية، من وجاهة، أو طلب صيت، أو رغبة في استمالة الجماهير والاستحواذ على عقولهم (وهو ما يُعرف في ثقافة عصرنا بـ “طلب الترند والتفاعل”). لقد واجه المَلأ دعوة نوح بـهذا الاتهام الرخيص، كما حكى القرآن: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} [المؤمنون: 24]، ورموه بالضلال في قولهم: {قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ

