صوت المحاريب: فقه غائب بين التوجيه القرآني ومكبرات الصوت// بكر عبد الحافظ الخليفات

إن المتأمل في واقع مساجدنا المعاصرة يلحظ ظاهرة باتت تؤرق المصلين وتخدش سكينة العبادة، وهي الإفراط الكبير في استخدام مكبرات الصوت، ولا سيما الداخلية منها في الصلوات الجهرية، وخطب يوم الجمعة. حيث يعمد كثير من الأئمة والخدام إلى ضبط أجهزة الصوت على أعلى مستوياتها، دون التفات إلى أعداد المصلين الحاضرين، والتي قد لا تتجاوز في كثير من الأحيان —خاصة في صلاتي الفجر والعشاء— عشرة مصلين. هذا الضجيج والجلجلة الصاخبة داخل المسجد تذهب بالخشوع، وتتحول من وسيلة للإسماع إلى مصدر لإزعاج المصلين وإيذاء مسامعهم، بما يتنافى مع الفطرة السليمة التي جبلت على الرغبة في السكينة والهدوء أثناء مناجاة الخالق.والعجيب في الأمر ليس سلوك القائمين على المساجد فحسب، بل في النظرة المجتمعية القاصرة لمن يحاول النصح وتغيير هذا الواقع؛ فإذا ما سعى شخص غيور لتنبيه الإمام إلى خفض مؤشر الصوت، رمقه الإمام وبقية المصلين بنظرات الشزر والتعجب، وكأنه تعدى حدود الله أو وقع في حد من حدوده المعظمة. لقد تحول هذا السلوك، بفعل العادة الغافلة، إلى موضوع غير قابل للنقاش أو المراجعة، بل ولا يتجرأ أحد على التفكير فيه حتى لو تعارض مع حقيقة فطرته التي تستدعي التوجيه وتبعد أذى الصخب المجلجل عن طبلة أذنيه. بيد أن من يتفكر في القرآن الكريم والهدي النبوي الشريف، يجد ضالته واضحة جلية تفصل في هذا الأمر وتضع له ميزاناً دقيقاً؛ يقول جل شأنه في محكم تنزيله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾، وهنا تظهر صفة الاعتدال والوسطية الإسلامية بأبهى صورها. وفي السنة النبوية المطهرة، حينما رفع قوم أصواتهم بالتكبير في أحد الأسفار، وجههم معلم البشرية ومربيها صلوات الله وسلامه عليه قائلاً: «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا»، وهو توجيه صريح لخفض الصوت ومراعاة الأدب والسكينة في الدعاء والذكر.ولم يكن لعلماء الأمة المعاصرين غفلة عن هذا الخلل المسلكي؛ إذ يبرز في هذا السياق الرأي الحاسم والشهير لـ إمام الدعاة الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله، الذي انتقد بشدة ما وصفه بـ “غوغائية التدين الباطلة دينياً”. فقد استنكر الشيخ الشعراوي المبالغة في استخدام الميكروفونات بالمساجد وإزعاج الناس، مشدداً على أن هذا التصرف ليس من الدين في شيء، ومستشهداً بالنهي عن إيذاء النائمين والمرضى والمستريحين في بيوتهم. واعتبر أن إرغام الناس على سماع الصوت العالي الصاخب يمثل خروجاً عن المقاصد الشرعية الصحيحة، مؤكداً أن الصمت على هذه الغوغائية الصوتية أمر منكور شرعاً.
إن مقاصد الشريعة في نداء الصلاة والإعلام بها مبنية على الجمال والرحمة لا على العنف الصوتي؛ ففي قصة تشريع الأذان واستقرار الرأي عليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابي الذي رأى الرؤيا: «قُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ». هذا الاختيار النبوي يؤكد أن الصوت الندي العذب هو المطلوب والمقصود، لأنه الأقرب لدخول القلوب واستمالة النفوس، ولم يكن المغزى يوماً اختيار صوت صاخب مجلجل يملأ الفضاء تشويشاً يرهق به المخالفين للدين من يهود ومنافقين، بل كان الهدف أسمى وأجمل: دعوة رقيقة تلامس الأرواح، وتراعي في الوقت ذاته من لا صلاة عليه من أصحاب الأعذار؛ من مرضى، ونساء في بيوتهن، وأطفال رضع يروعهم الصخب والضجيج. أما اليوم، ومع تباعد الزمان وطول الغفلة، تكاد هذه السنة الحكيمة تندثر في واقعنا المعاصر؛ فأصبح الأذان والإقامة والصلوات ترفع بأعلى مستويات الصوت عبر المكبرات، على الرغم من تقارب المساجد الشديد في الأحياء السكنية المتراصة، مما يؤدي إلى تداخل الأصوات وتحولها إلى هالة من التشويش المتبادل. ويأتي هذا الإصرار على المبالغة الصوتية في زمن تيسرت فيه سبل معرفة أوقات الصلاة بكل دقة وسهولة عبر تطبيقات الهواتف الخلوية والساعات الرقمية المتوفرة في كل بيت وجيب. إن العودة يا سادة إلى الهدي النبوي والالتزام بصفة الاعتدال القرآني في بيوت الله أصبحت ضرورة ملحة، لتستعيد المساجد هيبتها وسكينتها، ويكون دور المكبرات هو الإبلاغ بقدر الحاجة دون إفراط أو تفريط، تطييباً لقلوب المصلين وحفاظاً على جوهر الخشوع. …. والله من وراء القصد

