عبثية التقييم واغتيال الكفاءة: عندما تتحول مسابقات التعيين إلى ساحات للألغاز!

 

 

بقلم: الدكتور المهندس عبدالمطلب القضاه

 

​يُفترض في مسابقات التعيين داخل الدوائر والمؤسسات الحكومية أن تكون بوابة للعدالة، وميزانًا دقيقًا لتكافؤ الفرص، وجسرًا تعبر منه الكفاءات الوطنية الشابة لخدمة وطنها. لكن ما نشهده اليوم في بعض هذه المسابقات والمقابلات يدعو إلى الدهشة والاستغراب الشديدين؛ إذ تحولت المعايير العلمية والمهنية الصارمة إلى صيغ غامضة، وأسئلة عبثية لا علاقة لها من قريب أو بعيد بطبيعة الوظائف المطروحة.
​من أغرب الشواهد الواقعية التي تعكس هذا الخلل البنيوي، سؤال وُجِّه مؤخرًا في مفاضلة مخصصة لتعيين خريجي الطب البشري: “عادت سعاد إلى بيتها فوجدت لمبة مكسورة، فمن الذي كسرها: أخوك الصغير، أم أحد الجيران، أم أنها انكسرت وحدها؟!”.
​أمام هذا المشهد السريالي، يقف المرء متسائلًا بمرارة: ما هي العلاقة العلمية أو المنطقية بين هذا اللغز البسيط وبين كفاءة طبيب قضى سنوات طويلة من عمره بين الكتب والمختبرات والمستشفيات، وسهر الليالي واجتاز أصعب الامتحانات ليتنافس مع نخبة زملائه؟ أليس في هذا النمط من الأسئلة استخفاف صارخ بعلم هؤلاء الشباب، واستهانة بتضحياتهم وتضحيات عائلاتهم؟
​إن من يضعون هذه الأسئلة مطالبون بمراجعة أنفسهم؛ فهل هكذا تُقاس كفاءة أطباء المستقبل ومستشاري الغد؟ وكيف يُعقل أن تُختزل سنوات التميز العلمي والجهد المضني في أحجية تفتقر لأدنى معايير القياس والتقويم المهني؟ والمؤسف حقًا، أن بعض القائمين على هذه الإجراءات يتصرفون أحيانًا وكأنهم أصحاب فضل ومِنّة، متناسين أنهم في النهاية موظفون يؤدون واجبًا رسميًا، ولا يملكون أي حق في الانتقاص من قيمة أصحاب العلم، أو إخضاعهم لمعايير هلامية تفتح الباب واسعًا للاجتهادات الشخصية، وربما المحسوبية وعدم تكافؤ الفرص.
​وهنا نقف أمام ضرورة وطنية ملحة تدعو المعنيين وأصحاب القرار إلى إعادة النظر جذريًا في آليات التعيين، واعتماد معايير واضحة، عادلة، وشفافة. وفي مقدمة هذه المعايير يأتي “معيار أقدمية التخرج” عند تساوي الشروط؛ فهو معيار موضوعي حاسم، يغلق أبواب المحاباة، ويمنع التلاعب، ويحمي حقوق الجميع دون تحيز.
​ويحضرني هنا شاهد حي من الذاكرة يعود لعام 1986، حين تم تعييني في تخصصي بمدرسة الأمير عبدالله آنذاك (الملك عبدالله حاليًا). وبعد شهرين فقط من المباشرة، تبين أن هناك زميلًا من مدينة الرمثا هو الأقدم في سنة التخرج، وبناءً على هذا المعيار العادل، حلّ الزميل مكاني ونُقلت أنا إلى مدرسة أخرى لأُدرّس مادة العلوم بدلًا من تخصصي في الهندسة الزراعية. ورغم تغيير طبيعة العمل، إلا أنني تقبلت القرار بكل رضا وطمأنينة؛ لأن معيار الأقدمية كان سيفًا عادلًا على الجميع، ولم يترك مكانًا للشعور بالظلم أو التهميش.
​شتان بين تلك الشفافية الواضحة التي شهدناها سابقًا، وبين ضبابية المعايير الحالية التي باتت تفتقر للعدالة، وتترك المجال مفتوحًا للتأويل والتشكيك. إن هذا النهج العشوائي في التقييم لا يضر الخريجين فحسب، بل يمتد أثره السلبي ليهز ثقة المواطن بمؤسساته، ويزرع في نفوس أصحاب الكفاءات شعورًا محبطًا بأن جهودهم وسنوات عمرهم لم تعد هي المعيار الحقيقي للتقدير والنجاح.
​إن العدالة في التعيين ليست ترفًا أو مطلبًا شخصيًا عابرًا، بل هي الركيزة الأساسية لبناء مؤسسات دولة قوية ومتماسكة، وهي الحصن المنيع لحماية كفاءاتنا الوطنية، والصون الحقيقي لكرامة الإنسان وعلمه. فهل من مستمع لصوت المنطق؟

بقلم: الدكتور المهندس عبدالمطلب القضاه

خبير إداري وتربوي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة