عجلون أمام رهان تعزيز السياحة بالاستثمار الأمثل لمقوماتها الأثرية

عجلون- تسعى جهات رسمية وأهلية وشعبية عدة في محافظة عجلون إلى تسويقها سياحيا وتنمويا، مع التركيز على ضرورة الاستفادة من جميع المقومات المتاحة فيها، ولا سيما الأثرية منها. وقد دفع ذلك المشاركين في المؤتمر التاسع، الموسوم بـ”الأردن: تاريخ وحضارة”، إلى التركيز على سبل توظيف البعد الأثري في المحافظة، ليكون رافدا لتعزيز السياحة الداخلية والخارجية.

وخلال جلسات المؤتمر، الذي بدأ أعماله أول من أمس الأربعاء واختتمها أمس الخميس، شدد باحثون واختصاصيون على ضرورة استثمار المقومات الأثرية في تنمية السياحة، من دون إغفال الجوانب الأخرى المرتبطة بتحسين الخدمات والبنية التحتية، وتشجيع الاستثمارات، وتسهيل رسوم التراخيص وإجراءاتها للمشاريع السياحية، وتقديم التسهيلات اللازمة لاستقطاب المشاريع الكبرى.
وأكد المشاركون أن محافظة عجلون تزخر بإرث أثري وتاريخي وديني عريق، يعكس تعاقب حضارات قديمة، منها الرومانية والبيزنطية والإسلامية، ما يجعلها ركيزة أساسية لتنشيط السياحة الثقافية والأثرية. وسلطوا الضوء على أبرز المواقع والشواهد الأثرية في المحافظة، وفي مقدمتها قلعة عجلون، وهي صرح عسكري تاريخي شيده القائد عز الدين أسامة، أحد أمراء صلاح الدين الأيوبي، في القرن الثاني عشر الميلادي (1184م)، لتكون نقطة مراقبة تشرف على طرق المواصلات ومعابر أودية كفرنجة وراجب والريان، ولحماية المنطقة من الصليبيين. كما أشاروا إلى موقع مار إلياس، وهو تل أثري يقع إلى الشمال الغربي من مدينة عجلون، ومعتمد من الفاتيكان موقعا للحج المسيحي، إضافة إلى كنيسة سيدة الجبل، التي تعد من أبرز مواقع الحج المسيحي المعتمدة في المملكة.
ولفتوا كذلك إلى وجود عشرات المواقع الأخرى التي تستحق الاهتمام والتأهيل، ومنها إحدى الخِرَب في حلاوة، حيث كشفت التنقيبات الأثرية التي أجرتها دائرة الآثار العامة في وادي زقيق عن أرضيات فسيفسائية لكنيسة تعود إلى عام 525 ميلاديا، في العصر البيزنطي. كما أشاروا إلى مسجد لِسْتِب الأثري، الواقع شمال غربي تل مار إلياس، والذي يعد من أقدم المساجد التاريخية في الأردن.
وأكدوا تنوع المواقع الأثرية في المحافظة، التي تضم أكثر من 250 موقعا أثريا وتراثيا تحتاج إلى التأهيل والاستثمار، ومن بينها منطقة المقاطع ومواقع البدية.
 تعزيز التنمية الاقتصادية
وبحسب رئيس لجنة بلدية عجلون، المهندس محمد البشابشة، فإن المواقع الأثرية والتاريخية تمثل فرصة لتعزيز التنمية الاقتصادية والسياحية في المحافظة، مشيرا إلى أهمية التعريف بها وربطها بالمنتج السياحي المحلي.
وأكد ضرورة تكامل جهود المؤسسات الرسمية والثقافية والسياحية والأكاديمية لتعزيز الوعي المجتمعي بقيمة المواقع التاريخية، والعمل على حمايتها وصونها للأجيال المقبلة.
من جهته، أكد مدير السياحة، فراس الخطاطبة، أن تطوير السياحة الأثرية يتطلب تقديم تجربة متكاملة تربط المواقع التاريخية والدينية بالمسارات الطبيعية والريفية والمنتجات المحلية، مشيرا إلى أن تنوع هذه التجارب يسهم في إطالة مدة إقامة الزائر وزيادة استفادة المجتمعات المحلية من النشاط السياحي.
وأشار إلى أن تحسين الخدمات السياحية يستدعي توفير معلومات تاريخية دقيقة، وتأهيل الأدلاء السياحيين، وتوظيف التكنولوجيا في التعريف بالمواقع الأثرية، مؤكدا أهمية مشاركة أبناء المحافظة في تقديم الخدمات والتجارب السياحية.
ومن وجهة نظر رئيس جمعية عجلون للبحوث والدراسات، الدكتور رفعت الزغول، فإن عجلون تشكل متحفا حيا يعكس تعاقب الحضارات والتنوع الثقافي والديني عبر تاريخها، مشيرا إلى ما تضمه من مواقع أثرية ودينية تشكل جزءا من هويتها الحضارية ومقوماتها السياحية.
وأضاف أن الاستثمار في هذا الإرث يتطلب تعاون المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المحلي للحفاظ على المعالم التاريخية وتطوير البنية التحتية، مؤكدا أهمية إشراك أبناء المحافظة في تنمية السياحة المستدامة.
من جهتها، أكدت رئيسة رابطة الكتاب الأردنيين في عجلون، الدكتورة فايزة المومني، أهمية البحث العلمي في توثيق المواقع الأثرية وتعريف الأجيال بتاريخها، مشيرة إلى دور السياحة الأثرية في تعزيز الهوية الوطنية وترسيخ الانتماء.
وأشارت المومني إلى أن تشجيع السياحة الداخلية واستقطاب الزوار من الخارج يسهمان في دعم الاقتصاد المحلي وتوفير فرص العمل، لافتة إلى ما تتمتع به عجلون من تنوع تاريخي وطبيعي يؤهلها لاستقطاب مزيد من الزوار.
 فرصة لتبادل الخبرات
وبين الأكاديمي الدكتور علي عنانزة من الجامعة الأردنية أن المناخ والتضاريس أسهما في تشكيل الخصائص الطبيعية والحضارية لمحافظة عجلون، مشيرا إلى أن ارتفاعها وموقعها المواجه للبحر الأبيض المتوسط جعلاها من المناطق التي تستقبل الكتل الهوائية الرطبة والأمطار.
وأوضح أن دراسة تأثير العوامل المناخية على المباني والمواقع الأثرية تساعد في فهم التحديات المرتبطة بالحفاظ عليها، لافتا إلى ارتباط المناخ بالأنشطة الزراعية والبشرية والمقومات السياحية في المحافظة.
بدوره، أكد مدير ثقافة عجلون، سامر فريحات، أهمية المؤتمر في تسليط الضوء على الإرث الأثري والتاريخي الذي تزخر به المحافظة، وإبراز دوره في تعزيز السياحة الداخلية والخارجية، مشيرا إلى أهمية الدراسات والأبحاث المتخصصة في التعريف بالمواقع الأثرية والحفاظ عليها.
وأضاف أن المؤتمر يتيح فرصة لتبادل الخبرات بين الباحثين والمختصين، والخروج بتوصيات تسهم في تطوير القطاع السياحي والاستفادة من المقومات الحضارية والطبيعية لعجلون، بما يدعم التنمية الثقافية والسياحية في المحافظة. وأشار إلى أن المؤتمر يناقش عددا من الأوراق البحثية المتخصصة في الإرث الأثري والتاريخي للمحافظة، ودوره في تعزيز السياحة والتنمية المحلية.
كما قدم الباحث الدكتور محمد علي أبو عبيلة إضاءات على مواقع مختارة من محافظة عجلون، فيما عرض الدكتور أحمد الجوارنة من جامعة اليرموك دور الدولة الأردنية والمؤسسات الرسمية في دعم القطاع السياحي في المحافظة وتطويره، متناولا المشكلات والحلول. وقدم الأستاذ الدكتور خالد البشايرة، عميد كلية الآثار والأنثروبولوجيا في جامعة اليرموك، قراءة حول قلعة عجلون في مواجهة الزلازل ومواطن الخطر.
وتحدث أيضا الأستاذ الدكتور عاطف الشياب عن تكامل المسارات السياحية في محافظة عجلون لتعزيز السياحة الداخلية والخارجية، وتطوير المجتمع المحلي، وتحقيق التنمية المستدامة. كما عرض الدكتور محمود النعانمة من جامعة اليرموك دور المجتمعات المحلية في حفظ الموروث الثقافي وتحقيق التنمية التراثية والسياحية المستدامة، فيما تطرق الدكتور وليد العريض إلى عجلون وآثارها في المصادر والرحلات خلال العهد العثماني، وإلى دراسة المؤسسات التاريخية وإمكانات توظيفها.
وخلال أعمال المؤتمر في يومه الثاني، قدم الأستاذ الدكتور خليف الغرايبة، بالتشارك مع الدكتور سالم بني عطا، دراسة عن أسماء المعالم الأثرية الواقعة على مسار الطريق بين الهاشمية والوهادنة وأهميتها التاريخية. فيما عرض الدكتور محمد فاضل الخطاطبة دراسة ميدانية عن منطقة دير الصمادية، وبيّن حسام حرز الله دور الأدلاء السياحيين في تنشيط السياحة الداخلية في محافظة عجلون، بينما تحدث الدكتور طه الزغارير عن سيل عجلون والمسجد الكبير والخوانيت المجاورة.
 تنويع المسارات السياحية
إلى ذلك، أكد الباحث محمود الشريدة ضرورة الاهتمام بالأبعاد التنموية والاقتصادية للإرث الأثري في عجلون، باعتباره رافدا للسياحة الداخلية والخارجية. وأوضح أن عجلون لا تقتصر على طبيعتها الخضراء وغاباتها الممتدة، بل تشكل آثارها ومساراتها الدينية والتراثية منتجا سياحيا متكاملا، لافتا إلى أهمية تحويل هذا الإرث إلى مورد اقتصادي من خلال صيانة المواقع، وتطوير البنية التحتية، وتنويع المسارات السياحية بالشراكة بين القطاعين العام والخاص.
ويرى الباحثون، في دراساتهم وتوصياتهم، أن الرؤى العلمية المعاصرة لتطوير السياحة الأثرية في محافظة عجلون ينبغي أن تركز على تحويل المواقع الأثرية إلى رافد مستدام للتنمية الاقتصادية والمجتمعية، والاستفادة منها عبر دمجها في مسارات سياحية شاملة تربط التراث بالطبيعة.
وتشمل هذه الرؤى إدراج المواقع الأثرية والدينية، مثل قلعة عجلون وتل مار إلياس البيزنطي، ضمن برامج المسارات السياحية التي تجمع بين المسارات البيئية والريفية وسياحة المغامرات، مثل مسار راسون ووادي الطواحين، إلى جانب تأهيل المحطات البيئية وتحويل المواقع الأثرية إلى محطات رئيسية مجهزة لاستقبال السياح ضمن هذه المسارات، بما يسهم في تنويع التجربة السياحية وإطالة مدة إقامة الزائر.
كما تتضمن التوصيات تطوير البنية التحتية والخدمات في المواقع غير المستثمرة، وصيانتها وتأهيلها، وإيصال الخدمات الأساسية ومرافق البنية التحتية اللازمة إلى المواقع الأثرية الأقل حظا أو غير المستثمرة، لحمايتها وتسهيل الوصول إليها.
وتشمل التوصيات أيضا تعزيز الحماية الرقمية والميدانية، وتكثيف جهود الصيانة الوقائية والرقابة لمنع العبث بالمواقع المهملة أو تعرضها للتخريب على أيدي الباحثين عن الدفائن.
وأكد الباحثون ضرورة مراعاة التحديات المناخية، واعتماد دراسات علمية تبحث في تأثير العوامل المناخية والتضاريس المرتفعة في عجلون، مثل الأمطار والكتل الهوائية الرطبة، على صيانة المباني والمواقع الأثرية، بما يضمن استدامتها المعمارية.
وشددوا كذلك على أهمية إشراك المجتمعات المحلية وتمكينها من خلال ربط المنتجات المحلية بالتراث، ودمج الحرف التقليدية والمنتجات الزراعية والريفية والمأكولات الشعبية في التجربة السياحية، بما يضمن استفادة مباشرة لأبناء المنطقة ويوفر فرص عمل جديدة.
ودعوا إلى تأسيس شراكات تنموية تعزز التعاون والتكامل بين الجهات الرسمية، مثل وزارة الثقافة ودائرة الآثار العامة، والمؤسسات الأكاديمية والبحثية، والقطاع الخاص، والجمعيات المحلية، بما يضمن إدارة المواقع بكفاءة.
كما أكدوا أهمية التوسع في البحث العلمي والتوثيق والترويج السياحي، ومواصلة توثيق المواقع الأثرية ونشر الدراسات الأكاديمية المتخصصة التي تعرّف بالهوية الحضارية للمنطقة، بما يعزز الوعي المجتمعي والوطني. ودعوا إلى الاهتمام بالسياحة الرقمية والتسويق الحديث، واستخدام التكنولوجيا لتقديم تجارب افتراضية وشروح تفاعلية عن تاريخ تعاقب الحضارات في عجلون، بما فيها الحضارات الإسلامية والبيزنطية والرومانية، بهدف جذب السياح من داخل المملكة وخارجها.

 

 عامر خطاطبة/ الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة