غزة بلا أضاحٍ للعام الثالث.. الحرب والجوع يحرمان العائلات من فرحة العيد

للعام الثالث على التوالي، يستقبل الفلسطينيون في قطاع غزة عيد الأضحى في ظل غياب شعيرة الأضاحي، بعدما حوّلت الحرب والحصار والانهيار الاقتصادي هذه المناسبة الدينية إلى واقعٍ مثقلٍ بالفقد والعجز، في وقت تكافح فيه العائلات لتأمين الحد الأدنى من الطعام والبقاء.
ومع اقتراب العيد، تبدو أسواق المواشي شبه خالية من الحركة، بينما تغيب مظاهر الاكتظاظ التي اعتادها الغزيون قبيل العيد، نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار المواشي، وتراجع أعدادها بفعل إغلاق المعابر ومنع إدخال الحيوانات والأعلاف، إلى جانب فقدان معظم السكان مصادر دخلهم.
المواطن سعيد زعرب، وهو أب لخمسة أطفال من مدينة خانيونس، قال إنّ العيد فقد الكثير من معانيه منذ بداية الحرب، موضحًا أنّ عائلته لم تتمكن من شراء أضحية منذ ثلاثة أعوام، حتى بات الحديث عن الأضاحي نوعًا من الترف البعيد عن الواقع.
وأضاف زعرب لـ “الدستور”: “كنا ننتظر العيد لنفرح الأطفال ونوزع اللحوم على الأقارب والفقراء، أما اليوم فنحن نبحث عن وجبة تسد الجوع، في ظل الغلاء وانعدام الإمكانيات”.
من جهته، أوضح الفلسطيني محمود أبو شمالة، وهو نازح يقيم في خيمة، أنّ مظاهر الفرح المرتبطة بعيد الأضحى اختفت إلى حدٍ كبير، بعدما أثقلت الحرب كاهل العائلات ودفعتها للانشغال بتأمين الاحتياجات الأساسية.
وقال أبو شمالة لـ “الدستور” إنّ الأطفال ما زالوا يسألون عن الأضاحي وملابس العيد، لكن الظروف المعيشية القاسية تجعل الاستجابة لهذه المطالب شبه مستحيلة بالنسبة لكثير من الأسر.
وأضاف: “العيد كان مناسبة للفرح والتكافل، أما اليوم فمعظم الناس تفكر كيف تؤمن الطعام والمياه، وليس كيف تشتري أضحية”.
وتسبب العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في انهيار غير مسبوق للأوضاع الاقتصادية والمعيشية، إذ فقد عشرات آلاف العمال والموظفين أعمالهم، فيما ارتفعت معدلات الفقر والبطالة إلى مستويات قياسية، ما جعل شراء الأضاحي خارج قدرة معظم العائلات.
ويؤكد التاجر محمد عفانة، وهو صاحب مزرعة مواشٍ، أنّ أعداد المواشي تراجعت بشكل كبير مقارنة بالسنوات الماضية، نتيجة نفوق أعداد كبيرة منها خلال الحرب، وصعوبة توفير الأعلاف والرعاية البيطرية.
وأشار عفانة في حديثه لـ “الدستور”، إلى أنّ الأسعار تضاعفت عدة مرات بسبب ندرة المعروض وارتفاع تكاليف النقل والتغذية، مبينًا أنّ الإقبال “شبه معدوم”، حتى من العائلات التي كانت تحرص سابقًا على شراء الأضاحي بشكل جماعي.
وأوضح أنّ “الناس بالكاد تؤمن الطحين والمياه، لذلك أصبحت الأضحية آخر اهتماماتهم، رغم قيمتها الدينية والاجتماعية”.
ولا يقتصر أثر غياب الأضاحي على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد إلى الأبعاد الاجتماعية والنفسية، إذ اعتادت العائلات في غزة على اعتبار عيد الأضحى مناسبة للتكافل وتوزيع اللحوم على الأسر الفقيرة.
لكن مع استمرار خروقات الاحتلال الإسرائيلي والحصار، تقلصت مبادرات توزيع اللحوم بشكل كبير، وسط تراجع قدرة المؤسسات الخيرية والإغاثية على توفير الأضاحي، في ظل القيود المفروضة على إدخال المساعدات والاحتياجات الأساسية.
قالت الفلسطينية أم عبد الله حماد، النازحة من شمال غزة إلى أحد مراكز الإيواء في دير البلح، إنّ أطفالها يسألونها كل عام عن “لحمة العيد”، لكنها لا تجد ما تجيبهم به.
وأضافت حماد لـ “الدستور”، أنّ فرحة الأطفال باتت غائبة، فلا ملابس جديدة ولا أضاحي ولا زيارات، فقط خيام وجوع وخوف مستمر.
سيستقبل أكثر من مليوني فلسطيني عيد الأضحى للعام الثالث على التوالي بلا أضاحٍ، نتيجة الدمار الواسع الذي طال قطاع الثروة الحيوانية بفعل الحرب والحصار الإسرائيلي، بحسب وزارة الزراعة.
وقال المتحدث باسم وزارة الزراعة في غزة رأفت عسلية لـ “الدستور” إنّ القطاع كان يستقبل قبل الحرب سنويًا ما بين 10 إلى 20 ألف عجل و30 إلى 40 ألف رأس من الأغنام لتغطية احتياجات موسم الأضاحي، قبل أن تتوقف عمليات الاستيراد بشكل كامل مع استمرار إغلاق المعابر ومنع إدخال المواشي والأعلاف والأدوية البيطرية.
وأوضح عسلية أنّ الحرب منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 أدت إلى تدمير مزارع المواشي والحظائر ومخازن الأعلاف ونفوق أعداد كبيرة من الحيوانات، ما تسبب بانهيار شبه كامل للقطاع، معتبرًا أنّ غياب الأضاحي يعكس حجم الكارثة الإنسانية، وداعيًا إلى فتح المعابر بشكل عاجل لإنقاذ الثروة الحيوانية.
ويرى مختصون أنّ غياب الأضاحي للعام الثالث يعكس حجم الانهيار الإنساني الذي يعيشه القطاع، بعدما تحولت أولويات السكان من إحياء الشعائر والمناسبات إلى البحث عن الغذاء والمياه والأمان.
بدوره، أكد الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر، أنّ استمرار الحرب والحصار دمّر البنية الاقتصادية والاجتماعية في غزة، وأفقد السكان قدرتهم على الحفاظ على كثير من العادات المرتبطة بالأعياد والمناسبات الدينية.
وقال أبو قمر لـ “الدستور” إنّ “الأضحية في غزة لم تعد مرتبطة بالرغبة الدينية فقط، بل أصبحت مرتبطة بالقدرة على البقاء، في ظل مجاعة متفاقمة وانعدام مصادر الدخل”.
وبحسب معطيات برنامج الغذاء العالمي فإنّ 1.6 مليون شخص في غزة، أي ما نسبته 77% من المواطنين، يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم أكثر من 100 ألف طفل و37 ألف امرأة حامل ومرضعة.
ومع اقتراب عيد الأضحى، تبدو غزة أمام عيدٍ آخر بلا أضاحٍ، حيث تختلط أصوات التكبير بأصوات القصف، فيما تحاول آلاف العائلات النجاة من الجوع والنزوح، في مشهد يلخص واقعًا إنسانيًا قاسيًا يتكرر للعام الثالث على التوالي.
غزة -الدستور- أحمد زقوت

