غزة تحت “الخنق المنهجي”.. كيف تدار الحرب على الحياة اليومية؟

حذّرت منظمة “أطباء بلا حدود” من أن الأوضاع في قطاع غزة لا تزال “كارثية ومتردية”، رغم مرور أكثر من ستة أشهر على ما يُسمى “وقف إطلاق النار”.
وأشارت المنظمة إلى استمرار ارتقاء الشهداء وسقوط الجرحى، حيث سُجّل مئات الشهداء وأكثر من ألفي جريح منذ بدء هذا المسار الهش، ما يثبت أن “التهدئة” لم تكن سوى غطاء لاستمرار العدوان بأشكال أخرى، أقل كثافة في الظاهر، لكنها أشد فتكاً في جوهرها.
وبينت فرق “أطباء بلا حدود” أنها أجرت أكثر من 40 ألف عملية تضميد لجروح ناتجة عن إصابات عنيفة، بينها طلقات نارية وانفجارات، وتجاوزت نسبة الإصابات المباشرة الناتجة عن هجمات الاحتلال 60 بالمئة في عياداتها بمدينة غزة، ما يؤكد أن الاحتلال لم يتوقف عن قتل الفلسطينيين، بل غيّر أدواته فقط.
النظام الصحي جبهة الاستنزاف الأولى
ويُعد النظام الصحي في غزة اليوم خط المواجهة الأبرز في معركة الصمود. فالضغط الهائل الذي تتعرض له المنظومة الطبية؛ تقف خلفه سياسة متعمدة لتعطيل الإغاثة.
ومنذ بداية العام 2026، منعت سلطات الاحتلال دخول الإمدادات الطبية، وألغت تسجيل عشرات المنظمات الإنسانية، بما فيها أطباء بلا حدود، مما حال دون إدخال أي مساعدات، في خنق متعمد فاقم الانهيار الطبي بشكل غير مسبوق، وحوّل المستشفيات والعيادات إلى ساحات معاناة يومية.
ووفق المنظمة؛ ينتظر أكثر من 18,500 مريض، بينهم آلاف الأطفال، الإجلاء الطبي الذي يرفضه الاحتلال رفضاً قاطعاً.
وفي الوقت نفسه؛ تنتشر الأمراض الجلدية والمعوية والتنفسية بسبب الاكتظاظ والنزوح القسري الذي طال غالبية السكان. وهنا تكمن القسوة الحقيقية التي تتمثل في تحويل المرض والإصابة إلى أدوات ضغط جماعي، ليصبح الشعب الفلسطيني رهينة قرارات سياسية إسرائيلية تهدف إلى كسر الإرادة، وإضعاف القدرة على الصمود.
غطاء “الخط الأصفر”
ولم تقف جرائم الاحتلال عند الجانب الإنساني. فقد أعاد الاحتلال تشكيل الجغرافيا داخل القطاع فعلياً، من خلال تقسيمه إلى مناطق معزولة، وحصر السكان في مساحة لا تتجاوز 42 بالمئة من أرض غزة. وتحولت المناطق المحيطة بما يُسمى “الخط الأصفر” إلى مناطق قصف متواصل ومناطق عسكرية محظورة، حيث يُطلق النار على أي فلسطيني يقترب منها، حتى لو كان يجمع حطباً أو يبحث عن ماء.
ويمثل ذلك سرقة أرض منظمة، وإعادة هندسة ديموغرافية؛ تهدف إلى تقليص المساحة المتاحة للفلسطينيين، وفرض واقع طويل الأمد يجعل العودة إلى الوضع السابق شبه مستحيل.
سلاح المساعدات
وأصبحت المساعدات الإنسانية، في هذه المرحلة، جزءاً أساسياً من منظومة الصراع، وليست استجابة محايدة للكارثة. وحوّل تقييد دخول الغذاء والدواء والممرات الإنسانية، ومنع المنظمات الدولية من العمل بحرية، الإغاثة إلى أداة ضغط سياسي مباشر.
ويدرك الاحتلال جيداً أن ضرب القطاع الصحي وتجويع الشعب وإنهاك بنيته الاجتماعية؛ أنجع من “حسم عسكري سريع” فشل في تحقيقه طوال السنوات الماضية.
ويهدف هذا النمط الدائم من “الحرب منخفضة الكثافة” إلى إعادة هندسة القدرة على الصمود داخل القطاع. فالاحتلال لا يريد فقط السيطرة العسكرية، بل يسعى إلى تحويل الحياة اليومية إلى معاناة مستمرة، بحيث يصبح البقاء نفسه انتصاراً يومياً للمقاومة والشعب.
وتضع هذه التطورات المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وسياسي حاسم.. فهل سيستمر في الصمت أمام هذا النمط الطويل من الانتهاكات، أم سيفرض أدوات ضغط حقيقية تُلزم الاحتلال بوقف خنقه المنهجي؟ الواقع حتى الآن يؤكد أن الرهان على “المجتمع الدولي” وحده وهم، وأن الصمود الفلسطيني، مدعوماً بمقاومة باسلة، هو الرد الوحيد الذي يفهمه الاحتلال.
وفي النهاية؛ ما يجري في غزة ليس “أزمة إنسانية” عابرة، بل هو جزء من مشروع استعماري يستهدف وجود الشعب الفلسطيني كله. لكن التاريخ يعلّمنا أن الشعوب التي تقاوم لا تُهزم، وأن الخنق المنهجي مهما طال؛ لن يستطيع كسر إرادة شعب يؤمن بأن الحرية أغلى من الحياة تحت الاحتلال.
السبيل

