فجوة في صوت الإمام // سعيد ذياب سليم

=

تهدج صوت الإمام هذه الليلة في صلاة القيام، عند قراءته للآية “وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ” 36 سورة الكهف، اضطراب صوته، ثم عودة نبرته العادية في التلاوة تركت علامة.
حركته تلك فتحت لمن خلفه ــ وأنا منهم ــ فجوة ينفذ منها الفكر باحثا في المعنى والموقف في القصة.
هل مس نكران الرجل وغروره روح الإمام فارتجف رعبا؟ أم أن الآية حين نُطقت، لامست فينا جميعًا شيئًا نخاف مواجهته؟ النكران والغرور؟
لازمني التفكير في ذلك الموقف بعد الصلاة، وحفزني ما سمعت من أحدهم وكان يسد الطريق في وجهي هو وصاحبه، إذ رد أحدهم على الآخر مؤيدا: “طبعا، عبادة الخاصة تختلف عن عبادة العامة “.
سرت محدثا نفسي:
ــ ماذا يعنيان بمصطلح الخاصة والعامة؟ أهناك طبقتان من العباد إحداها مميزة والأخرى باهتة تخلو من الملامح؟ أهذا هو الغرور بعينه؟

بدأت أطرح الأسئلة وأبحث عن إجابات :
من هم الخاصة؟ هل هم من ارتجفت قلوبهم خوفًا وتواضعًا؟
أم أن الغرور جعل من البعض يشعر بالتميز عن غيره . لعل أولى الناس بصفة “الخاصة” هو من لم يأمن قلبه لحظة، ولم يزكِّ نفسه على أحد.
أما من اطمأن إلى مكانته، فربما كان أقرب إلى صاحب الجنتين منه إلى صاحبه المؤمن.
تمر ليالي رمضان زاخرة بالتجارب والأنوار، تجارب تتفتح فيها أسرار الآيات الكريمة كما تتفتح أزهار الليل الخجولة متى مسها رداء الليل.
أسرار تسلم نفسها للقلب في كهف الليل الساكن إلا من رفة جفن أو دمعة رقراقة انحدرت من خشية الله، عندما يخلو المرء بربه في هدوء الليل.
هل سنترك هذه الليالي تنفلت من رحالها ولن تعود كرمضان الماضي وما قبله؟ أم أن نستغل الفرصة السانحة لنكون أشخاصا غير من كنا، ذوي عيونٍ ترى وقلوب تفقه وعقول تدرك ما تفقه؟ لنكون الخواص الذين أحبوا الله وعبدوه حق عبادته.
هذه الليالي تحتفي بالأسرة ومسراتها، مائدة فيها النبل والكرم، وسهرة نناقش فيها ما نراه بوعي، لا تخلو من ضحكات بريئة ولعب مسلية ينافس فيها الجد حفيدة والابنة أمها والأب يرقب ويرخي حبل الليل رويدا رويدا كي لا تضرب السفينة صخور الشاطئ، فإذا ساد الصمت لحظة انبرى ليسأل بوعي أحد أسئلته الذكية، كما حدث في إحداها فسأل: ما الفرق بين الإنسان والناس والبشر في القرآن؟ ليثير زوبعة صغيرة بين أفراد الأسرة. الجد يفتح مصحفه في هدوء،
والابنة تقلب صفحات هاتفها،
والسؤال يتنقل بيننا كما ينعكس الضوء بين الوجوه.
نبحث جميعًا، ولا أحد يدّعي أنه يملك الجواب كاملًا. لم يعد السؤال يُجاب من ذاكرة واحدة، بل من شاشة وهاتف ومصحف مفتوح في آن واحد.
وقد تمتدّ سهرتنا أحيانًا إلى ما تبثّه الشاشات، فنصمت أولًا، ثم يبدأ السؤال.
لا نترك المشهد يعبرنا كما هو، بل نستوقفه.
نسأل: ماذا يريد أن يقول؟ ماذا يريد أن يُخفي؟
نختلف، نبتسم، يحتجّ أحدنا، ويعود الجدّ إلى مصحفه كأنما يستأنس بمرجعٍ قديم،
كأن القيام الذي بدأ في المسجد لم ينتهِ،بل انتقل معنا إلى هذا المجلس، فصارت العبادة وعيًا بالحياة لا انسحابًا منها.
وبين ضحكةٍ وأخرى، يمرّ خبرٌ عاجل في أسفل الشاشة،
صورة مدينةٍ بعيدة يعلوها الدخان.
وفجأةً… صوتُ فرقعةٍ بعيدة،
أو ارتجاجٌ خفيف في زجاج النافذة،
يذكّرنا أن السماء نفسها لم تعد بعيدة عمّا يحدث.
مرت صواريخ في أجوائنا،
وسقطت شظايا في أماكن لا علاقة لها بالحرب.
لا نشارك في حرب،
لكننا لا نسلم من ارتجافها،
فالقلق يعبر الحدود دون استئذان.
يخفت الحديث لحظة،
يرفع الجدّ بصره إلى السقف كأنه يقرأ ما وراءه،
وتتمتم الأمّ: “اللهم احفظ بلادنا وأهلها”.
ثم نعود إلى مجلسنا،
لا إنكارًا لما يحدث،
بل إصرارًا أن يبقى هذا البيت عامرًا بالسكينة ما استطعنا.
تلك هي ليالي رمضان التي تجمعنا: لا تعلّمنا فقط كيف نجوع، بل كيف نشكّ في قلوبنا وعقولنا قبل أن نزكّيها.
وكما ارتجف صوت الإمام عند الآية، ترتجف قلوبنا أمام ما يحدث، لعلنا نتعلم التواضع قبل أن نطلب الطمأنينة.
سعيد ذياب سليم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة