في رحاب بيت الله الحرام // سعيد ذياب سليم

يدور دولاب الحياة صاعدًا بنا وهابطًا، يحملنا إلى قمّة الأمل، ويحطّ رحاله بنا إلى غور اليأس السحيق، لا يثبت له حال.
فإذا اجتمعت في سمائك سحبُ اليأس السوداء، وأظلمت عليك الدنيا، وضاقت عليك الأرض بما رحبت، إلى أين تهرب؟ ولمن تلجأ غير الله وبيته المحرّم؟ أليس هو القائل:
﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ (البقرة: 125).
تنطلق كسهمٍ ناريٍّ في عتمة الليل، تقطع الفيافي والهضاب، لا يهدأ لك بال حتى ترى الكعبة وتنظر إليها نظرة عاشقٍ وَلِهٍ، فيهتف قلبك: “لبيك اللهم لبيك، اللهم زد بيتك الحرام تشريفًا وتعظيمًا”.
حين تدلف إلى صحن الكعبة، ترى أمواج البشر تتجمّع كالغمام؛ تتلاقى عند محاذاة الحجر الأسود، ثم تنطلق أفواجها في مساراتٍ دائرية، بؤرتها الكعبة المشرفة. مشهدٌ يأخذك على حين غرّة، فيخيَّل إليك أنه الحشر، وأن الناس تنتظر الحساب، فتختلط في قلبك مشاعر الرهبة والخشوع.
تذوب القلوب رِقّة، وتهدل الأرواح كالحمائم، وتنهمر الأدعية كالمطر. ترتفع الأصوات تسبيحًا ورجاءً وطلبًا للمغفرة، وكأن الآية تتجسّد أمامك: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ (فاطر: 10). تمتلئ الساحة بالمعتمرين: هذا يستلم الحجر الأسود، وذاك يلوذ بالملتزم، وآخر يقف عند الركن اليماني، وتلك تنزوي في حِجر إسماعيل، وغيرهم يقفون بخشوع عند مقام أبي الأنبياء إبراهيم عليهم السلام.
وجوهٌ مختلفة الأعراق، وألسنةٌ شتّى؛ وفودُ العائدين إلى الله تذكّرك بوفود القبائل يوم فتح مكة، حين جاءت تُعلن إسلامها. تسبّح الله وتحمده، وأنت تسمع النداء يتردّد من كل صوب: “يا رب… يا رب”. ترى الأبيضَ والأسمرَ، والأصفرَ والأحمرَ، وتسمع الألسن في جوقةٍ واحدة متناغمة، كأن الإنسانية كلها قد اجتمعت هنا، تدور حول مركزٍ واحد، وتنبض بقلبٍ واحد.
وتشعر بالحبّ وتراه متجسّدًا في صورٍ شتّى: أبٌ يحتضن طفله، وفي ظلّه تسير رفيقة دربه؛ امرأة تقود ابنتها، مصمّمةً أن تقف بها عند الملتزم في لهفة المحتاج؛ فِرَقٌ تنشد بحماس، وجماعات تردّد الدعاء خلف مرشدها. تردّد خلف هذا الدعاء أو ذاك، فالمقصد واحد، والجميع يلوذ بالبيت. تتجه الأعين إلى الكعبة عبادةً وعشقًا، خشوعًا وحنينًا.
وفوق رأسك يدور حمامُ الحرم؛ تبتسم إذ يخيل لك أنك، مع الكون كله، تدور حول مركزٍ واحد: أنت هنا، والملائكة حول البيت المعمور، وفوق الجميع يتجلّى الله عزّ وجلّ عظمةً وجلالًا.
وحين تُتمّ الشوط السابع من الطواف، تفرّ من شفتيك تنهيدةُ راحة فيبوح بها القلبُ بمكنوناته. تحمد الله وتشكره، وترجو القبول، ثم تسوقك قدماك باتجاه مقام إبراهيم، حيث حفظ الحجرُ بصمةَ قدميه عليه السلام. تصلّي ركعتين، وتقف هنيهةً تستعيد في خاطرك قصة البيت، وتهمس الآية بخشوع:
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ( البقرة: 127).
ثم تتجه، بما تحمله على كاهلك من همٍّ وأمل، صوب الصفا والمروة. تسعى بينهما جيئةً وذهابًا، تدعو الله وترجو عطاياه. وربما خُيّل إليك أنك ترى هاجر، عليها السلام، تسعى في هذا الاتجاه أو ذاك، وطفلها يبكي عطشًا، وهي بلهفة الأم واستسلام العابد تنتظر ما تأتي به الأقدار. ما أعظم كرم الله إذ تفجّرت عينُ ماءٍ تحت قدمي الطفل!
هل بكت فرحًا وشكرًا؟ هل ردّدت باكية: “إذن لا يضيّعنا الله… لا يضيّعنا”؟ هل قالت: “زمّ… زمّ” لتحبس جريان الماء فلا يضيع في الأرض العطشى؟ صورٌ تُحادث بها النفس ليطمئنّ بها القلب؛ فإن الله قريبٌ مجيبُ الدعاء.
وفي النهاية، عند المروة، تقصّر أو تحلق، فتتحلّل من إحرامك، متمّمًا مناسك العمرة، وراجيًا من الله القبول والإجابة. ومع هذا التحلل، تشعر وكأن قيداً قد انفكّ عن روحك، فتبدأ في تلمس تلك الإشارات الخفية التي يودعها الله في قلب عبده المخلص.
تأمل في حالك الآن؛ فبعد أدائك المناسك، هل شعرت بتلك الراحة التي تسللت إلى أعماقك ولهج لسانك بالحمد دون تكلف؟ هل وجدت في نفسك همةً لعمل صالح جديد يرضي الله، وكأن الطاعة قد ولدت فيك طاعة أخرى؟ فإن الطريق إلى الله له علامات، تحسسها في دربك وفي سكون ليلك. وإن كنت قد جئت تطلب أمراً وتشكو هماً، فانظر في صدرك: هل شرح الله قلبك لخطوة قد يكون فيها الخير الكثير؟ وهل استنارت بصيرتك لرؤية الأبواب التي كانت مغلقة؟
إن انشراح الصدر هو أول الغيث، وتيسير الطاعة بعد الطاعة هو بريد القبول. فعد من حيث أتيت بقلبٍ غير الذي بدأت به، مستأنساً بآيات التوفيق التي تجدها في تيسير أمرك واطمئنان نفسك، واثقاً بأن من أوقفك في بيته، ما فعل ذلك إلا ليسمعك، وما ألهمك الدعاء إلا ليعطيك، وما يسّر لك زيارة بيته إلا ليعيدك نقيا كيوم ولدتك أمك.

