قفزة جندب (بين مثالية الصالونات ونفاق المناسبات) الكاتب// بكر عبد الحافظ الخليفات

في مجالسنا الساهرة والتي لا تخلو، على الأغلب، من نميمة وغيبة وبهتان، وحيث يطيب الحديث وتُفتح ملفات العباد، كثيراً ما نلتقي بنماذج تُجيد العزف على أوتار المثالية. ففي إحدى السهرات “المُهندسة” بعبق الشاي والقهوة، دار النقاش حول الشأن العام وما يؤرق العوام، فجاءت سيرة أحد أصحاب “الألقاب الرنانة”. وما إن أُنزلت إضبارته وفُتح ملفه، حتى انتفض أحد الحاضرين مستعرضاً مهاراته في النقد والقدح، وأوسعه ذماً وتقريعاً، ولم يُبْقِ عليه ولم يذر… بل إنه لو كان شاعراً، لَهجاه بقصيدة عصماء كانت لتتربع على “تريند العصر الجاهلي” من فرط قسوتها وجرأتها. هزّ الحضور رؤوسهم إعجاباً بشجاعته ومبادئه الراسخة، وانفض السامر بمرور الوقت. لم تمرّ سوى أيام معدودات، لم تتجاوز ما يعدّه العادّون من أيام شهرهم الجاري، حتى جمعت مناسبة فرح كبيرة أغلب حضور تلك السهرة. كانت الدعوة عامة، والمناسف متطاولة ومتراصة؛ منسف يتلوه منسف يمتد على طول الصالة وعرضها. وفجأة، اصطفت سيارة فارهة أمام الباب المفتوح على مصراعيه، وترجل منها ذات “صاحب السعادة” الذي نُبشت إضبارته قبل أيام… هنا، حدث ما لم يكن على البال والخاطر! فما إن وضع المسؤول خطوته الأولى على الأرض، حتى تبرأ صاحبنا “المثالي” من كل ما قاله في الأمس الماضي، وقفز “قفزة الجندب” ملهوفاً، ليهرول نحو الضيف القادم مستقبلاً ومرحباً… لم يكتفِ بمصافحة دافئة، بل أوسع خده وجبهته تقبيلاً، وأخذ يزيح بيده ورجله الحصى من طريق “العزيز الغالي” ليمهد له العبور. كانت عيناه تتلألآن وتتحولان يمنة ويسرة في حركة استعراضية مدروسة، يرسل من خلالها إشارات مبطنة للحضور توحي بعمق “العلاقة والألفة” التي تجمعهما. وطبعاً، لم تفتْه اللقطة، فبين القبلة والأخرى، كان يغمز بعينيه ويشير للمصور بـ “اطقعني كم صورة”، ليوثق هذه اللحظة الحاسمة التي سينشرها لاحقاً عبر شبكات التواصل الاجتماعي لتذيع بين القاصي والداني. هكذا، وفي لمح البصر، تبخر الذم والقدح، وحلت مكانه المودة، والصفاء، والدعاء بطول البقاء.
وهنا تنتهي القصة… القصة الساخرة التي لم تعد مجرد مشهد عابر، بل تجسيد حي لظاهرة النفاق الاجتماعي والتلون بداعي المصلحة الخاصة، وتحقيق مكاسب ونيل حظوة ومكانة عند الآخرين.
إن هذه الأفعال يا سادة لا تدخل من باب المجاملات الاجتماعية كما يدعي صاحب قفزة الجندب، بل هو النفاق الاجتماعي بعينه؛ حيث يرتدي المرء قناعاً يناسب كل جلسة، ويبيع مبادئه في سوق التنفيعات، فلا ضير لديه من مديح من يكره، أو تعظيم من يراه الناس فاسداً، طالما أن ذلك يخدم مآربه. وهذا كله بخلاف المجامل الاجتماعي الذي يمتاز بقوله اللطيف وفعله المهذب، مراعياً مشاعر الآخرين دون تزييف للحقائق، ودون تملق كاذب ومبالغة في الثناء …. وذلك كذلك .. لأن المسافة شاسعة بين كياسة المجاملة وخسة النفاق، فإن نقاء مجتمعاتنا بات مهدداً بـ “أصحاب الوجهين”. ومن هنا، يبدأ الخلاص والرفض لـ “قفزة الجندب” ولكل الأقنعة الزائفة، عبر وزن الناس بمواقفهم الثابتة، لا بابتساماتهم المصطنعة أمام عدسات المصورين؛ مصداقاً لما حذر منه نبينا الكريم ﷺ في قوله: “تَجِدُ مِن شَرِّ النَّاسِ يَومَ القِيَامَةِ ذَا الوَجْهَيْنِ، الذي يَأْتي هَؤُلَاءِ بوَجْهٍ، وهَؤُلَاءِ بوَجْهٍ” رواه البخاري.

