كازاخستان تكشف مسودة دستور جديد يرسم ملامح مرحلة سياسية وقانونية مفصلية

كتب الدكتور/عبد الرحيم إبراهيم عبد الواحد

دبي- أستانا : كشفت جمهورية كازاخستان مؤخرا عن المسودة الأولى لدستور جديد يشكّل أحد أبرز محطات الإصلاح السياسي الشامل الذي أطلقه الرئيس قاسم جومارت توكاييف، ويعكس انتقال البلاد من تعديلات جزئية متراكمة إلى إعادة صياغة شبه كاملة للقانون الأساسي للدولة، إذ تشمل المسودة تعديلات تطال 77 مادة، أي ما يعادل نحو 84% من الدستور الحالي، ما يجعلها عملية “إعادة تأسيس دستوري” بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فيما أكد سعادة /روان جومابيك، سفير جمهورية كازاخستان لدى دولة الإمارات العربية المتحدة، إن مشروع الدستور الجديد يعكس نضج التجربة الإصلاحية في كازاخستان، ويجسّد رؤية القيادة السياسية في بناء دولة حديثة تستند إلى سيادة القانون، وتحترم إرادة الشعب بوصفه المصدر الوحيد للسلطة.

 

تأكيدًا على مبدأ سيادة الشعب

وجاء إعداد المسودة التي صدرت بتاريخ في 31 يناير 2026، بعد ستة أشهر من النقاشات المفتوحة والمشاورات الواسعة، شارك فيها أكثر من ألفي مواطن وخبير ومؤسسة، في عملية وُصفت بالشفافة، حيث بُثّت جلسات اللجنة الدستورية علنًا عبر المنصات الرقمية. وقد قُدّمت المسودة رسميًا خلال الجلسة السادسة للجنة الدستورية، على أن يُحسم مصيرها النهائي عبر استفتاء وطني شامل، تأكيدًا على مبدأ سيادة الشعب كمصدر وحيد للسلطة.

وتتكوّن المسودة من ديباجة جديدة كليًا، و11 قسمًا، و95 مادة، مع إدخال مفاهيم ومؤسسات دستورية غير مسبوقة، فقد تم ترسيخ حقوق الإنسان بوصفها القيمة العليا للدولة منذ مستوى الديباجة، مع تبني نموذج قانوني “إنساني” يجعل حياة الإنسان وكرامته وحقوقه في صلب المنظومة الدستورية، وليس مجرد مبادئ توجيهية. كما تم إدراج ضمانات قانونية موسعة، تشمل تعزيز حق الدفاع، وحماية الملكية الفكرية، وترسيخ قرينة البراءة، وتكريس معايير المحاكمة العادلة.

وعلى صعيد بنية الحكم، تقترح المسودة إنشاء برلمان أحادي الغرفة تحت مسمى “الكورولتاي”، يضم 145 نائبًا يُنتخبون وفق نظام التمثيل النسبي الكامل، بهدف تعزيز الحياة الحزبية وتوضيح المسؤولية السياسية. كما تنص على استحداث منصب نائب الرئيس، وإنشاء “مجلس الشعب” كهيئة تشاورية جديدة تتمتع بحق المبادرة التشريعية، بما يعكس توجهًا مؤسسيًا نحو توسيع قنوات الحوار المجتمعي والمشاركة السياسية.

 

ثوابت غير القابلة للتغيير

وفي بعد يُعدّ سابقة إقليمية، يكرّس الدستور الجديد حماية الحقوق في الفضاء الرقمي، ويعترف بالسيادة الرقمية وحماية البيانات الشخصية كجزء من السيادة الفردية للمواطن، استجابةً لتحولات العصر الرقمي. وفي الوقت ذاته، يؤكد النص الدستوري على ثوابت الدولة غير القابلة للتغيير، وفي مقدمتها السيادة والاستقلال ووحدة الأراضي، والطابع الوحدوي للدولة، والنظام الجمهوري الرئاسي، مع الفصل الواضح بين الدين والدولة، وتكريس علمانية التعليم.

أما في السياسة الخارجية، فتؤكد المسودة التزام كازاخستان بمبادئ القانون الدولي، وسياسة السلام والتعاون، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، مع تنظيم تطبيق المعاهدات الدولية وفق القوانين الوطنية. وبهذا، يضع مشروع الدستور الجديد الإطار القيمي والمؤسسي الذي سيحدد نموذج الحكم ومسار التنمية في كازاخستان لعقود مقبلة، بانتظار الكلمة الفصل للمواطنين عبر الاستفتاء الوطني.

ومن جانبه أكد الرئيس توكاييف يؤكد أن الإصلاح الدستوري سيعزز تنمية كازاخستان بشكل إيجابي وذلك خلال اجتماعه مع إلفيرا أزيموفا رئيسة اللجنة الدستورية، ومع نائب رئيس اللجنة – مستشار الدولة إرلان كارين، وعضو اللجنة – مساعد الرئيس للشؤون القانونية يرزان جينباييف، أن الإصلاح الدستوري سيعزز تنمية كازاخستان بشكل إيجابي.

وعقب الاجتماع، أكد الرئيس توكاييف أن الإصلاح الدستوري المرتقب سيسهم إيجاباً في تنمية البلاد، مشيداً بدور المجلس كخطوة حاسمة في مسيرة الإصلاح الدستوري، فيما وقع مرسوماً بإنشاء المجلس الدستوري.

واطلع رئيس الدولة على نتائج اجتماع اللجنة الدستورية الذي عُقد في 26 يناير، وأوضحت أزيموفا أن اللجنة، حرصًا منها على الشفافية، توفر بثًا مباشرًا لجميع اجتماعاتها عبر وسائل الإعلام، بما في ذلك القناة المخصصة على تطبيق تيليجرام. وأشارت رئيسة اللجنة إلى أن نقاشًا عامًا مستفيضًا حول الإصلاح الدستوري قد جرى على مدار ستة أشهر.

وفي الوقت نفسه، تلقى المجلس الدستوري أكثر من ألفي مقترح مبادرة من مواطنين، وباحثين قانونيين، وخبراء، ومحامين، وأحزاب سياسية، ومنظمات غير حكومية، وهيئات مهنية وتجارية، عبر منصات إلكترونية، فيما جرى تطوير ومراجعة نسخ جديدة من الديباجة، وعدد من المواد والأقسام الدستورية، خلال الاجتماعات السابقة للمجلس.

 

رؤية سفير كازاخستان في أبوظبي

ومن جانبه قال سعادة /روان جومابيك، سفير جمهورية كازاخستان لدى دولة الإمارات العربية المتحدة، إن مشروع الدستور الجديد يعكس نضج التجربة الإصلاحية في كازاخستان، ويجسّد رؤية القيادة السياسية في بناء دولة حديثة تستند إلى سيادة القانون، وتحترم إرادة الشعب بوصفه المصدر الوحيد للسلطة.

وأضاف السفير أن الارتقاء بحقوق الإنسان إلى مرتبة القيمة الدستورية العليا، منذ ديباجة الدستور، يشكّل تحولًا نوعيًا في الفكر الدستوري الكازاخي، ويؤكد التزام الدولة ببناء نموذج إنساني يضع كرامة الفرد وحرياته الأساسية في صميم السياسات العامة والتشريعات.

وأشار السفير روان جومابيك إلى أن إدراج حماية الحقوق الرقمية والسيادة الرقمية في النص الدستوري يعكس وعي كازاخستان المبكر بتحديات العصر الرقمي، ويبرهن على سعيها إلى مواكبة أفضل الممارسات الدولية في حماية البيانات والخصوصية، بما يعزز ثقة المواطنين والمستثمرين في البيئة القانونية للدولة.

وأوضح السفير أن التحديث المؤسسي، من خلال برلمان أحادي الغرفة ومجلس شعب يتمتع بحق المبادرة التشريعية، يهدف إلى تعزيز المشاركة السياسية، وترسيخ الحوار المجتمعي، وتطوير منظومة صنع القرار بما ينسجم مع تطلعات المجتمع الكازاخي وتنوعه.

وختم سعادته بالتأكيد على أن طرح الدستور الجديد للاستفتاء الوطني يعكس إيمان كازاخستان العميق بالديمقراطية التشاركية، ويبعث برسالة واضحة إلى المجتمع الدولي مفادها أن الإصلاحات السياسية في البلاد تقوم على الشفافية، واحترام إرادة الشعب، وبناء شراكات دولية قائمة على الاستقرار والسلام والتنمية المستدامة.

 

الهيكل الرئيسي للدستور الجديد

النظام البرلماني

  • إنشاء برلمان أحادي المجلس (الكورلتاي) يتألف من 145 نائبًا.
  • انتخاب النواب وفق نظام انتخابي نسبي.
  • مدة ولاية النواب خمس سنوات.
  • توسيع صلاحيات البرلمان.

ويهدف النظام النسبي إلى تعزيز التطوير المؤسسي للأحزاب السياسية والمساءلة.

هيئة استشارية جديدة

  • إنشاء مجلس الشعب في كازاخستان.
  • أعلى هيئة استشارية على مستوى الدولة.
  • تمثل مصالح الجمهور.
  • تمنح الحق في المبادرة التشريعية.

السلطة التنفيذية

  • إدخال مؤسسة نائب الرئيس.
  • يقوم نائب الرئيس بالتصرف نيابة عن الرئيس في التعامل مع المنظمات الاجتماعية والسياسية والعلمية والثقافية والتعليمية محليًا وخارجيًا.

سيادة القانون والضمانات القانونية: يعزز مشروع الدستور بشكل كبير الضمانات القانونية وحقوق الإجراءات، بما في ذلك:

  • الحماية الصريحة لمهنة القانون من خلال مادة دستورية مخصصة للمحاماة.
  • تعزيز حماية الملكية الفكرية.
  • حظر تطبيق القوانين بأثر رجعي التي تفرض التزامات جديدة أو تضع المواطنين في موقف قانوني أسوأ.
  • تعزيز دستوري لقاعدة براءة المتهم.
  • حظر التعرض للمساءلة الجنائية مرتين عن نفس الجريمة (الازدواجية).
  • تثبيت دستوري لقاعدة “ميراندا“.

المبادئ والقيم الأساسية: يتكون مشروع الدستور من مقدمة و11 قسمًا و95 مادة. ويقوم بتحديث لغة الدستور، واستبدال المصطلحات القديمة، ويعكس النظام السياسي المتطور في كازاخستان،

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة