كازاخستان شريك موثوق واستراتيجي في عالم متغير

توكاييف: التزامنا بالثبات والمصداقية ليس مجرد شعار دبلوماسي، بل خيار استراتيجي

أستانا – في لحظةٍ تتبدّل فيها خطوط الصدع الجيوسياسية ويُعاد فيها ضبط موازين القوى العالمية على نحوٍ جذري، أصبحت الموثوقية المعيار الأسمى للتأثير في الشؤون الدولية. في هذا المقال الذي كتبه رئيس جمهورية كازاخستان قاسم جومارتتوكاييفيطرح رؤية واثقة لدور كازاخستان كشريك ثابت وجدير بالثقة للولايات المتحدة، مقدّماً في الوقت ذاته قراءة حادّة وراهنة لمستقبل النظام الدولي. وبوضوح وصراحة استراتيجية، يستكشف المقال الضغوط المتصاعدة على الاستقرار العالمي، ويقدّم طرحاً مقنعاً لقيادة براغماتية في عالمٍ يتخلّى تدريجياً عن الأوهام لصالح الواقعية والمسؤولية وتحقيق النتائج.

ويؤكد الرئيس توكاييففي مقال له بمطبوعة(ناشيونال انتريستInterestNational)، بأسلوبه المعروف بالوضوح والصراحة الاستراتيجية، أن فقدان الثقة العالمي لم يكن حادثًا عرضيًا، بل تعزز من خلال كشف أوجه الفساد الواسعة النطاق في المؤسسات العامة والهياكل الدولية والسياسات الداخلية للدول الكبرى. لقد عمّق تورط شخصيات سياسية بارزة في هذه القضايا النظرة النقدية للحكومات، خاصة تلك المرتبطة بالأجندات الأيديولوجية اليسارية، ما أسفر عن تراجع الثقة في النظام الدولي التقليدي

الالتزام بالثبات والمصداقية

كما يؤكد الرئيس توكاييفأن التزام كازاخستان بالثبات والمصداقية ليس مجرد شعار دبلوماسي، بل هو خيار استراتيجي يعكس نضجنا السياسي، ويجسد رغبتنا في عالم يسوده القانون، والمسؤولية، والاحترام المتبادل.”

ويضيف: تشهد الساحة الدولية اليوم تحولًا متزايدًا نحو البراغماتية والواقعية، وهو اتجاه تجلى بوضوح في مؤتمر ميونيخ الأخير، حيث شدد كبار القادة الغربيين على حقيقة بسيطة: لا يمكن تجاهل المصالح الوطنية، ولا يمكن اعتبار السيادة عبئًا، ولا يمكن بناء الاستقرار على أساس الأيديولوجيا وحدها. العالم اليوم لا يبتعد عن التعاون، بل عن الأوهام. فالنهج الجديد يقوم على قاعدة القانون، والمسؤولية، والالتزامات الموثوقة، واحترام الهوية الثقافية والوطنية. وهذا، كما يؤكد الرئيس، ليس عزلة، بل هو تعبير عن النضج السياسي.

ويوضح الرئيس توكاييفقائلا: “ومن أبرز ملامح هذا التحول فشل النموذج القديم في حل النزاعات، فقد اعتمد المجتمع الدولي لفترة طويلة على دورات لا نهاية لها من المفاوضات والبيانات والمؤتمرات، دون تحقيق نتائج ملموسة. النتيجة كانت دائمًا: اتفاقيات بلا تنفيذ، دبلوماسية بلا نتائج، وعملية سلام بلا سلام”.

شريكًا موثوقًا وصادقًا لأمريكا

وفي هذا السياق، يعلن الرئيس توكاييف أن كازاخستان ستظل شريكًا موثوقًا وصادقًا للولايات المتحدة، ملتزمة بالمسؤولية العملية والدبلوماسية الواقعية. العالم اليوم يدخل عصرًا أصبح فيه الاستقرار أحد أندر الموارد الاستراتيجية، في وقت تتزايد فيه الصراعات، وتتعمق المنافسة الجيوسياسية، وتعاني المؤسسات الدولية من الجمود والاستقطاب وتراجع ثقة الجمهور.

لطالما شكلت العولمة الدولية، في صورتها التقليدية، نموذجًا عقلانيًا لبناء نظام دولي متكامل وشامل، لكن مع مرور الوقت، تحولت هذه الفكرة إلى نموذج قائم على افتراضات أيديولوجية مفرطة: شمولية بلا مسؤولية، وحريات بلا حدود، وتفوق أخلاقي يتجاهل وجهات نظر المجتمعات ذات السيادة وصانعي السياسات البراغماتيين. نتيجة لذلك، فقدت العولمة مصداقيتها لدى مئات الملايين حول العالم، ولم يعد بإمكان العالم تحمل هذا النهج.

مجلس السلام لتقديم حلول عملية

في هذا الإطار، يمثل إنشاء مجلس السلام بمبادرة من الرئيس دونالد ترامب، وبموافقة الأمم المتحدة، خطوة مهمة نحو تقديم حلول عملية، لا مجرد منصات للنقاش الرمزي. المبادرة تقدم نهجًا مبتكرًا: السلام ليس مجرد شعار، بل مشروع قائم على التنمية الاقتصادية المستدامة، من خلال البنية التحتية، والاستثمار، وتوفير فرص العمل، وبناء مستقبل يجعل الصراع مجديًا بدرجة أقل. هذا النهج يحظى باحترام وتقدير المجتمع الدولي.

كازاخستان، وفق الرئيس توكاييف، تؤيد هذه المبادئ على المستوى العملي، لا الشكلي فقط، وهو ما انعكس في مشاركتها في مجلس السلام ودعمها لمبادراته بجهود ملموسة. كما تأتي هذه السياسة كامتداد طبيعي لمشاركتها في اتفاقيات أبراهام، مع الحفاظ على التوازن بين العلاقات مع إسرائيل ودعم الشعب الفلسطيني، والدفاع عن حل الدولتين كقاعدة مستدامة للسلام. كذلك، تعكس هذه الاستراتيجية مصالح كازاخستان الوطنية في تعزيز التعاون الاقتصادي، وجذب الاستثمارات، ونقل التكنولوجيا المتقدمة، وتوسيع الحوار بين العالمين الإسلامي واليهودي.

 

د. عبد الرحيم عبد الواحد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة