كازاخستان والصين: شراكة تعيد رسم المشهد الاستراتيجي لأوراسيا

توكاييف: كازاخستان مستعدة لمواصلة تعزيز شراكتها الاستراتيجية «الدائمة» مع الصين

 

بقلم الدكتور عبد الرحيم إبراهيم عبد الواحد

 

تدخل العلاقات بين كازاخستان والصين مرحلة جديدة تتجاوز المفهوم التقليدي لعلاقات الجوار. فالموقع الجغرافي لم يعد مجرد حقيقة مشتركة بين دولتين متجاورتين، بل يتحول إلى أداة استراتيجية، فيما تنتقل التجارة من مجرد تبادل للسلع إلى شبكة واسعة من الممرات اللوجستية، وتتسع الشراكة الاقتصادية لتشمل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والابتكار والتحول الرقمي.

وبالنسبة إلى كازاخستان، لا تمثل الصين مجرد دولة مجاورة أو شريك تجاري رئيسي، وإنما تشكل عنصرًا مهمًا في رؤية أستانا لتعزيز موقعها كحلقة وصل بين الشرق والغرب. وفي عهد الرئيس قاسم جومارتتوكاييف، اكتسبت هذه العلاقة طابعًا استراتيجيًا أكثر وضوحًا، يجمع بين المصالح الاقتصادية والحوار السياسي وتطوير البنية التحتية وتعزيز الترابط الإقليمي.

وتكشف أرقام التجارة عن حجم هذا التحول. فبحسب وزارة الخارجية الكازاخستانية، أظهرت بيانات الجمارك الصينية أن حجم التجارة بين البلدين بلغ مستوى قياسيًا قدره 48.7 مليار دولار في عام 2025، في حين سجلت الجمارك الكازاخستانية 34.1 مليار دولار، وهو اختلاف يعود إلى اختلاف منهجيات الإحصاء التجاري. وفي كلتا الحالتين، تؤكد الأرقام استمرار الاتجاه التصاعدي للعلاقات الاقتصادية، في وقت يعمل فيه البلدان على تحقيق هدف طويل الأمد يتمثل في مضاعفة حجم التجارة الثنائية.

من حدود مشتركة إلى فضاء اقتصادي متصل

تمتد الحدود بين كازاخستان والصين لأكثر من 1700 كيلومتر، إلا أن العلاقة بين البلدين باتت تتجاوز الحدود الجغرافية نحو بناء فضاء اقتصادي أكثر ترابطًا.

فالسكك الحديدية والمراكز اللوجستية والموانئ الجافة والمعابر الحدودية الحديثة أصبحت أدوات لإعادة تشكيل حركة التجارة بين الصين والأسواق الأوروبية، ويأتي طريق النقل الدولي عبر بحر قزوين، المعروف باسم «الممر الأوسط»، في قلب هذا التحول.

ومن منظور أستانا، لا يمثل الممر الأوسط مجرد طريق بديل لنقل البضائع، بل يشكل جزءًا من استراتيجية أوسع لتحويل الموقع الجغرافي لكازاخستان إلى مصدر للقوة الاقتصادية.

ولهذا ركز توكاييف على ضرورة الانتقال إلى مرحلة أكثر تطورًا من إدارة هذا الطريق، من خلال الجمارك الذكية، وربط أنظمة المعلومات، وأتمتة الإجراءات الحدودية، بما يسمح بتسريع حركة البضائع وتعزيز القدرة التنافسية للممر على المستوى الدولي.

الممر الأوسط: فرصة استراتيجية لكازاخستان

تعكس المكانة المتزايدة للممر الأوسط تحولًا أوسع في خريطة التجارة العالمية، فكازاخستان تقع في موقع فريد بين الصين وبحر قزوين والقوقاز وأوروبا، الأمر الذي يمنحها إمكانية التحول إلى أحد أهم الجسور البرية التي تربط مراكز الإنتاج الآسيوية بالأسواق الأوروبية.

ولهذا احتل قطاع النقل والخدمات اللوجستية موقعًا متقدمًا في أجندة التعاون بين أستانا وبكين. ففي إطار التعاون المرتبط بمبادرة الحزام والطريق، يجري تطوير خطوط السكك الحديدية والبنية التحتية اللوجستية والمرافق الحدودية.

لكن الهدف لم يعد مجرد إنشاء مجموعة من المشاريع المنفصلة، بل بناء منظومة نقل متكاملة قادرة على التعامل مع حركة التجارة العابرة للقارات بسرعة وكفاءة.

وهنا تبرز أهمية التكنولوجيا؛ فالممر التجاري الحديث لا يعتمد على السكك الحديدية والطرق وحدها، وإنما يحتاج أيضًا إلى أنظمة جمركية رقمية، وتوافق بين قواعد البيانات، وإجراءات حدودية أكثر سرعة ووضوحًا. ومن هذا المنظور، فإن رؤية توكاييف للممر الأوسط تتجاوز فكرة العبور لتضع النقل واللوجستيات ضمن قطاعات يمكن أن تولد قيمة اقتصادية واسعة داخل كازاخستان.

من النفط والبنية التحتية إلى التكنولوجيا

ربما يمثل التحول التكنولوجي أكثر الجوانب أهمية في المرحلة الجديدة من العلاقات الكازاخستانية–الصينية، فالتعاون لم يعد محصورًا في الطاقة والمواد الخام والبنية التحتية، بل بدأ يتجه بقوة نحو الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والاقتصاد الرقمي، والتجارة الإلكترونية، والتصنيع الذكي والتقنيات المتقدمة.

وقد وضع توكاييف التعاون العلمي والتكنولوجي ضمن أبرز المجالات التي يمكن أن تقود المرحلة المقبلة من العلاقات. وخلال زيارته إلى شنغهاي في يوليو/تموز 2026، التقى مسؤولين تنفيذيين في عدد من شركات التكنولوجيا الصينية الكبرى، وبحث معهم فرص التعاون في الاقتصاد الرقمي، والتصنيع الذكي، والتجارة الإلكترونية، والبحث العلمي وتطوير الكفاءات.

ويكتسب هذا الاتجاه أهمية خاصة بالنسبة إلى كازاخستان نفسها، التي تعمل على تطوير بنيتها الرقمية وتهيئة بيئة قادرة على استقطاب الاستثمارات القائمة على التكنولوجيا.

وقد اعتبر توكاييف الذكاء الاصطناعي أحد العوامل الرئيسية للنمو الاقتصادي المستقبلي، فيما يمثل مشروع Data Center Valley في إيكيباستوز أحد المشاريع التي تراهن عليها البلاد لبناء قاعدة جديدة للبنية التحتية الرقمية.

وبذلك، فإن التعاون مع الصين يرتبط بسؤال أوسع بالنسبة إلى كازاخستان: هل تستطيع البلاد الانتقال من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الموارد الطبيعية إلى اقتصاد أكثر تنوعًا قائمًا على التكنولوجيا والمعرفة؟

«ثلاثون عامًا ذهبية» جديدة

لم يقتصر تطور العلاقات على الجانب الاقتصادي، بل امتد إلى المجال السياسي والاستراتيجي، وخلال لقاءاته مع المسؤولين ورجال الأعمال الصينيين في شنغهاي في يوليو/تموز، وصف توكاييف العلاقات الكازاخستانية–الصينية بأنها وصلت إلى «مستوى غير مسبوق»، وتحدث عن دخول البلدين مرحلة ما سماها «الثلاثين عامًا الذهبية الجديدة» للعلاقات الثنائية. ويعكس هذا التعبير رؤية أستانا بأن العلاقة تدخل مرحلة جديدة نوعيًا، وليس مجرد استمرار للنمط السابق من التعاون.

ومع ذلك، فإن تعميق الشراكة مع الصين لا يعني أن السياسة الخارجية الكازاخستانية أصبحت محصورة في اتجاه واحد. فكازاخستان تواصل علاقاتها مع روسيا ودول آسيا الوسطى وأوروبا والولايات المتحدة وغيرها من القوى الدولية.

ومن هنا تأتي أهمية السياسة الخارجية متعددة الاتجاهات التي تتبعها أستانا؛ فهي تسعى إلى تعميق التعاون مع الصين مع الحفاظ في الوقت نفسه على مساحة واسعة من العلاقات والشراكات الدولية.

الثقة السياسية أساس الشراكة

لا يمكن تفسير استمرارية العلاقات الكازاخستانية–الصينية بالمصالح الاقتصادية وحدها، فالرئيس توكاييف يولي أهمية كبيرة للثقة السياسية والحوار المنتظم والاحترام المتبادل باعتبارها ركائز للعلاقة مع بكين. كما تؤكد كازاخستان التزامها بمبدأ الصين الواحدة، وتواصل التنسيق مع الصين في الأمم المتحدة ومنظمة شنغهاي للتعاون ومؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا.

كما تزداد أهمية إطار «الصين–آسيا الوسطى» باعتباره منصة إضافية للتعاون في التجارة والبنية التحتية والطاقة والتنمية الإقليمية، وهنا تبرز خصوصية موقع كازاخستان؛ فهي في الوقت نفسه دولة من دول آسيا الوسطى، وقوة إقليمية في مجال النقل العابر للقارات، ودولة مجاورة مباشرة للصين. وهذه التركيبة تمنحها أهمية اقتصادية ودبلوماسية تتجاوز حجم سوقها المحلي.

الإنسان والتعليم والثقافة

وبالتوازي مع نمو التجارة والاستثمار، تتوسع العلاقات على المستوى الإنساني، فالسياحة والتبادل الطلابي والتعليم والتعاون الثقافي تفتح قنوات جديدة للتواصل بين الشعبين، وتساهم في بناء علاقات تتجاوز المؤسسات الحكومية والشركات.

ومع ازدياد أعداد الصينيين الذين يزورون كازاخستان، ووجود أعداد متزايدة من الطلاب الكازاخستانيين في الصين، تتشكل تدريجيًا قاعدة بشرية لديها معرفة مباشرة بالمجتمع والاقتصاد والثقافة في البلد الآخر.

وقد تكون هذه الروابط، على المدى الطويل، ذات أهمية لا تقل عن أهمية مشاريع السكك الحديدية والموانئ الجافة والاستثمارات؛ فالشراكات الاستراتيجية المستدامة لا تقوم فقط على الاتفاقيات الحكومية، وإنما أيضًا على الجامعات والباحثين والطلاب ورجال الأعمال والمجتمعات.

شراكة تتجاوز حدود البلدين

إن التحول في العلاقات بين كازاخستان والصين يحمل تداعيات تتجاوز مصالح الدولتين، فالصين تحصل على شريك مهم وممر استراتيجي نحو الأسواق الأوروبية، بينما تستفيد كازاخستان من الوصول إلى الأسواق والاستثمارات والتكنولوجيا والبنية التحتية، إلى جانب تعزيز موقعها كجسر بين الشرق والغرب.

لكن التحدي الحقيقي أمام أستانا يتمثل في ضمان ألا تؤدي زيادة التعاون إلى ارتفاع حجم التجارة فقط، بل إلى تنويع الاقتصاد، ونقل التكنولوجيا، وزيادة القيمة المضافة محليًا، وتطوير رأس المال البشري والصناعات الجديدة.

وهنا تحديدًا سيتحدد مستقبل الشراكة: هل ستبقى علاقة اقتصادية ناجحة بين دولتين متجاورتين، أم ستتحول إلى شراكة استراتيجية قادرة على تغيير موقع كازاخستان في الاقتصاد الأوراسي؟

وبالنسبة إلى توكاييف، يبدو الاتجاه واضحًا: الانتقال بالعلاقة مع الصين من مجرد الترابط الجغرافي إلى الترابط الاقتصادي، ومن التجارة التقليدية إلى التكنولوجيا، ومن التعاون الثنائي إلى شراكة لها تأثير أوسع في مستقبل أوراسيا.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة