​ما لا تقوله التعاميم: في المسافة الفاصلة بين نجاح الإدارة وإنصاف الإنسان // عمر الدريني

 

​تُقاس المؤسسات عادة بكفاءة تشغيلها ومدى انضباطها في تنفيذ التعليمات وتسيير شؤون الميدان، لكن اختبارها الحقيقي يستقر في مساحة أكثر عمقًا: كيف تتعاطى الإدارة مع كوادرها حين يختل الميزان الشخصي للموظف، ويتحول من موقع المؤدي للواجب إلى موضع الحاجة إلى الدعم والتقدير؟

​اللافت في الأدبيات الإدارية الحديثة أن الفرق شاسع بين «تأمين المرفق» و«استبقاء الثقة»؛ إذ تدير الأولى التعاميم الهيكلية، بينما تبني الثانية الثقافة المؤسسية، وتأتي تجربة أحد مديري المدارس في مديرية التربية والتعليم للواء قصبة عمّان لتضع هذا الفارق تحت المجهر؛ فإثر تعرضه لإصابة بالغة (قطع في أحد أوتار القدم) استدعت إحالته إلى اللجان الطبية مع احتمال غياب يمتد لفصل دراسي كامل، تحركت الماكينة الإدارية بسلاسة لتكليف المساعد بتسيير الأعمال ضمانًا لمصلحة الطلبة، غير أن ما توقف عنده المعني ليس الإجراء ذاته، بل حالة «الصمت الإنساني» المطبقة التي رافقته، إذ لم تسجل ذاكرة المراسلات أو الاتصالات شارة اطمئنان واحدة من القيادات الإدارية والفنية في المديرية.

​لا يندرج السؤال عن صحة الموظف المريض في أطر «المجاملة الاحتفالية» ولا يتطلب كسرًا للبروتوكولات الإدارية؛ بل ينتمي مبدئيًا إلى مفهوم الأمان الوظيفي والرعاية المؤسسية المتبادلة، إن اتصالاً قصيرًا لا يربك الهيكل التنظيمي، لكنه يلغي المسافة السيكولوجية بين الفرد ومؤسسته، ويعزز اليقين بأن الغياب الجسدي عن المكتب لا يعني أوتوماتيكيًا الإلغاء من الذاكرة الإدارية.

​غير أن هذا الموقف لم يكن معزولاً عن سياق تراكمي لدى المدير ذاته؛ إذ اقترن بتساؤلات مستحقة حول استبعاده من تكريم مبادرة «حصالة الخير» رغم خدمته في مدرستين شاركتا في المبادرة خلال الفترة المعنية، فضلاً عن تجاوزه في التكليف لإدارة إحدى المدارس المخصصة للطلبة السوريين لصالح مدير أحدث عهدًا في التعيين والإدارة، رغم كونه ضمن حالات الزيادة الإدارية وأسبق في الأقدمية.

​من الناحية المنهجية، لا يمنح مجرد التواجد في موقع المبادرة حقًا تلقائيًا في التكريم، كما لا تشكل الأقدمية وحدها معيارًا مفردًا للمفاضلة في التكليفات الإدارية؛ فقد تتداخل شروط تتصل بنوعية الإسهام، أو معايير قياسية أخرى تعتمدها الإدارة، غير أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في «نتيجة» القرار، بل في غياب «شفافية المسببات»، من حق الكوادر الميدانية الاطلاع على المرجعية المعيارية التي صُيغت بموجبها قوائم التكريم أو قرارات التكليف، لضمان ألا تتحول المبادرات – التي أُسست بالأصل لتعزيز الانتماء – إلى أداة تُغذّي الشعور بتفاوت التقدير والانحياز غير المبرر.

​إن مطالعة هذه الوقائع لا تستهدف إدانات قاطعة أو القفز إلى استنتاجات تتهم الإدارة بالاستهداف المتعمد؛ فللإدارة في الغالب معطيات وتفسيرات قد لا تتضح كاملة للطرف الآخر، لكن خطورة هذه المواقف المتراكمة تكمن في «الأثر النفسي والمهني» الذي تتركه في بنية العقيدة الوظيفية لدى العاملين، وحين يجتمع غياب التواصل في حالات المرض، مع الغموض في معايير التكريم والمفاضلة الإدارية، يتحول طلب التفسير المكتوب والمراجعة المؤسسية من مجرد عتاب فردي إلى حق إداري أصيل.

​وهنا تتسع زاوية الطرح لتطرق أبواب وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية: هل تمتلك الوزارة أدوات قياس دقيقة للرصد والتغذية الراجعة تشخص واقع البيئة الوظيفية في المديريات الميدانية؟ وهل تعتمد آليات حوكمة ومراجعة مستقلة للتحقق من شكاوى التفاوت الإداري وعدالة توزيع الفرص؟ وأخيرًا: هل ينحصر معيار النجاح الإداري في استدامة الضبط والتشغيل، أم يتسع ليشمل ترسيخ مفهوم العدالة التنظيمية وبناء الثقة؟
​إن المؤسسة التعليمية التي تضع السلامة العامة وتنمية الموارد البشرية في صدارة رؤيتها المعلنة، مدعوة لممارسة هذه القيم بإطارها الشامل، فكما أن السلامة الإجرائية وتنظيم الإجازات واجبات تنظيمية صلبة، فإن “التواصل الإنساني والشفافية المعيارية” هما البعد المرن الذي يمنح هذه الإجراءات شرعيتها الأخلاقية.

​إن مدير المدرسة المطلوب منه يوميًا إدارة بيئة تعليمية آمنة، وإنصاف كادره التعليمي، وترسيخ قيم الانتماء لدى الطلبة، يحتاج إلى أن يرى هذه المنظومة الأخلاقية مجسّدة في الممارسات اليومية للسلطة الإدارية الأعلى، فالقيم المؤسسية وحدة واحدة لا تجزأ، ولا ينبغي أن تتوقف فعاليتها عند بوابة المديرية.

​لا يستهدف هذا الطرح الشواهد الفردية لذاتها، بل يسعى لإطلاق مراجعة هيكلية تحمي المؤسسة والكوادر معًا، وتمنح الأطراف كافة حق التوضيح، وتؤكد أن التواصل الإنساني والعدالة المعيارية ليسا عبئًا على التنفيذ الإداري، بل هما ركيزتان أساسيتان للحوكمة الرشيدة.

​قد لا تسجل الأنظمة الإلكترونية اتصالاً لم يُجرَ، أو حيرة موظف أمام قرار غابت معاييره، لكن هذه التفاصيل الدقيقة هي التي تبني أو تهدم ثقة الموظف بمؤسسته، فالتعاميم تُسيّر الأعمال وتضمن استمراريتها، لكن المواقف وحدها هي التي تثبت ما إذا كانت القيم المعلنة ثقافة مؤسسية حقيقية، أم مجرد حبر على ورق التنظيم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة