ما وراء الزي الرسمي: مسؤولية المجتمع تجاه رجل الأمن // عمر الدريني

نمرّ برجل الأمن كل يوم تقريبًا؛ نراه عند إشارة المرور، وأمام مؤسسة رسمية، وفي الشارع أو قرب منشأة عامة، نطلب منه أحيانًا أن يفسح الطريق، أو يرشدنا إلى وجهتنا، أو يتدخل حين تقع مشكلة، ومع تكرار المشهد، قد نعتاد وجوده إلى درجة أننا ننسى أن وراء الزي الرسمي إنسانًا له بيت ينتظره، وأسرة تقلق عليه، وتعب لا يظهر في الملامح، ومسؤوليات لا تنتهي بانتهاء نوبة العمل.
وحين يستشهد أحد مرتبات الأمن العام شهيد الواجب العريف جواد السلايطة رحمه الله أثناء أداء واجبه، لا يكون الحزن وحده كافيًا للتعبير عن تقدير المجتمع لمن يحمون سلامته، فالموقف يستدعي مراجعة أعمق لطبيعة العلاقة بين المواطن ورجل الأمن: هل نتعامل معه بوصفه إنسانًا يؤدي مهمة عامة، أم نختصره في الزي الذي يرتديه والتعليمات التي ينفذها؟ وهل ندرك أن احترامه والتعاون معه جزء من مسؤوليتنا تجاه أمن المجتمع، لا مجرد تصرف اختياري تحكمه طبيعة الموقف؟
لا تُختبر هذه العلاقة في لحظات التكريم وحدها، وإنما في المواقف العادية التي لا تحظى باهتمام أحد، في سائق يرفض الالتزام بتوجيهات تنظيم السير، أو شخص يرفع صوته على رجل أمن أثناء تأدية واجبه، أو متجمهر يعرقل وصول مركبة طوارئ لأنه يريد تصوير مشهد أو متابعة ما يحدث، قد تبدو هذه التصرفات عابرة لمن يقوم بها، لكنها تضعف قدرة العاملين ميدانيًا على أداء مهمتهم، وتحمّل الآخرين كلفة سلوك كان يمكن تجنبه بقليل من الوعي والمسؤولية.
ومن المهم هنا ألا نخلط بين احترام رجل الأمن والتنازل عن الحقوق، فقد يعترض المواطن على إجراء، أو يرى أن معاملة لم تكن مناسبة، ومن حقه أن يطلب التوضيح وأن يتقدم بشكوى وأن يلجأ إلى الجهات المختصة، لكن الاعتراض شيء، والإهانة أو التهديد أو الاعتداء شيء آخر، كما أن الزي الرسمي لا يمنح صاحبه حصانة من المساءلة، مثلما أن الاختلاف مع إجراء لا يمنح المواطن حق الاعتداء على من ينفذه، العلاقة السليمة تقوم على احترام متبادل، يحفظ كرامة الطرفين ويُبقي القانون مرجعًا عند الخلاف.
وتبدأ المسؤولية المجتمعية من سلوكيات لا تحتاج إلى حملات ولا إلى تعليمات جديدة: أن نلتزم بالتوجيهات المرورية، وألا نعرقل عمل الدوريات أو فرق الطوارئ، وأن نبتعد عن مواقع الحوادث بما يسمح للمختصين بأداء واجبهم، وأن نمتنع عن تصوير المصابين أو نشر وجوههم ومشاهدهم من دون مراعاة لخصوصيتهم، وألا نتداول مقاطع مجتزأة أو روايات مجهولة قد تسيء إلى أشخاص أو تربك عمل الجهات المعنية، فليس كل ما نراه مادة للنشر، وليس كل ما يصل إلى هواتفنا حقيقة تستحق إعادة الإرسال.
وللأسرة والمدرسة دور مبكر في تشكيل هذه الثقافة، فالطفل الذي يرى والديه يتعاملان باحترام مع رجل الأمن والعاملين في المرافق العامة، ويتعلمان أمامه كيف يختلفان دون إساءة، يكتسب معنى عمليًا لاحترام القانون، والمدرسة التي تعلّم طلبتها أن الاعتراض يمكن أن يكون مهذبًا وواضحًا، وأن القوة لا تعني الاعتداء، تساهم في إعداد مواطن يعرف حقوقه وواجباته معًا، فاحترام رجل الأمن ليس درسًا في الطاعة العمياء، وإنما جزء من تربية تحترم الإنسان والوظيفة العامة والقانون.
أما الإعلام ومنصات التواصل، فمسؤوليتهما تتجاوز نقل مشهد الاستشهاد أو نشر صور التكريم، من حق المجتمع أن يعرف الوقائع وأن يناقش أداء المؤسسات، لكن من واجب الناشر أن يتحقق قبل أن يتهم، وأن يميز بين الخطأ الفردي والمسؤولية المؤسسية، وألا يحوّل حادثة واحدة إلى حكم عام على فئة كاملة، كما أن استثمار المآسي في الإثارة أو تداول الصور المؤلمة بحثًا عن التفاعل لا يخدم الضحايا ولا يحترم مشاعر أسرهم، ولا يضيف شيئًا إلى وعي المجتمع.
وفي المقابل، لا يكتمل الاحترام المجتمعي من دون مؤسسات تصون كرامة منتسبيها، وتوفر لهم التدريب والتجهيز، وتراعي ظروف عملهم، وتستمع إلى ملاحظاتهم، وتضمن لهم بيئة مهنية تساعدهم على أداء واجبهم، كما أن حسن التعامل مع المواطنين ووضوح الإجراءات والاستجابة للشكاوى تعزز الثقة المتبادلة، وتجعل احترام رجل الأمن امتدادًا لاحترام القانون الذي يمثله، لا مجرد استجابة لمكانته الوظيفية.
لسنا بحاجة إلى انتظار حادثة مؤلمة كي نتذكر أن رجل الأمن يعود في نهاية يومه إلى أسرته كما يعود كل إنسان، وأن وراء كل مهمة ميدانية جهدًا وتعبًا واحتمالًا للمخاطر، يمكن أن نعبر عن تقديرنا له في موقف يومي بسيط: بالتزامنا، وبكلمة لائقة، وباعتراض مسؤول، وبامتناعنا عن التحريض أو الإساءة، فالمجتمع الذي يحترم من يؤدون واجبهم، ولا يتردد في مساءلة من يخطئ، لا يختار بين الكرامة والأمن؛ إنه يحمي الاثنين معًا.
فالزي الرسمي يستحق الاحترام، ومن يرتديه يستحق أن نرى فيه الإنسان قبل الوظيفة؛ فهذه هي المسؤولية التي لا تنتهي عند حدود القانون، بل تبدأ من سلوكنا اليومي.
رحم الله شهيد الواجب العريف جواد السلايطة وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان

