متنزه مادبا الأثري.. رحلة بين الحضارات في فضاء مفتوح

مادبا- في وسط مدينة مادبا يقع متنزه مادبا الأثري، وهو من أبرز المواقع التي تعكس تاريخ المدينة العريق، حيث يجمع بين آثار تعود لحقب مختلفة في مكان واحد، ما يمنح الزائر فرصة للتعرف على تعاقب الحضارات التي مرت من هنا.

وبحسب المعلومات لدى دائرة الآثار العامة، فإن العمل في متنزه مادبا الأثري بدأ العام 1991، ضمن مشروع يهدف إلى حماية المواقع الأثرية داخل المدينة وإبرازها بطريقة علمية تتيح للزوار والباحثين فهم تاريخها وتسلسلها الحضاري.
ويؤكد أحد سكان مادبا حسان حداد، أن مادبا ليست مجرد مدينة عادية، بل هي متحف متنقل، تنتشر فيه الآثار بين الأحياء والبيوت، وتظهر ملامح التاريخ في تفاصيل الحياة اليومية، الأمر الذي يجعل من العيش فيها تجربة مختلفة.
ومن أبرز معالم المتنزه الشارع الروماني الممتد من الشرق إلى الغرب، الذي كان في الماضي طريقا رئيسيا يربط أجزاء المدينة ببعضها بعضا، وما تزال بقاياه واضحة حتى اليوم من خلال حجارة الرصف والأعمدة المنتشرة في المكان، ما يعكس أهمية مادبا كمحطة حضارية نشطة في العصور القديمة.
كما يضم المتنزه قاعة هيبوليتس التي تحتوي على لوحات فسيفسائية مميزة تعكس قصصا وأساطير من العصور القديمة، وتشير إلى تطور فن الفسيفساء الذي اشتهرت به مادبا عبر التاريخ. وإلى جانبها تقع كنيسة النبي إلياس وسرداب القديس اليانوس، حيث تظهر الأرضيات الفسيفسائية التي تعود إلى القرن السادس الميلادي، والتي ما تزال محافظة على قيمتها الفنية والتاريخية، وتشكل شاهدا حيا على العمق الديني والحضاري للمدينة.
وتعد كنيسة العذراء من أبرز المواقع داخل المتنزه، إذ بنيت في نهاية القرن السادس الميلادي فوق بقايا معبد روماني، ثم أعيد استخدام الموقع في فترات لاحقة، في دلالة واضحة على استمرارية الحياة في المكان عبر العصور. وتظهر في أرضياتها الفسيفسائية زخارف هندسية وكتابات يونانية تعود إلى مراحل تاريخية مختلفة، ما يعكس التنوع الثقافي الذي مرت به مادبا.
وتشير المواطنة ميرفت سليمان إلى أهمية الحفاظ على هذا الإرث الأثري، مؤكدة أن ما تمتلكه مادبا من مواقع تاريخية يمثل جزءا مهما من الهوية الوطنية، ويجب العمل على حمايته وتعريف الأجيال به، خاصة في ظل ما يشهده القطاع السياحي من اهتمام متزايد.
وعند مدخل المتنزه، يمكن للزائر مشاهدة واحدة من أقدم اللوحات الفسيفسائية في الأردن، التي تعود إلى القرن الأول الميلادي، ما يمنح الموقع قيمة استثنائية. كما تعرض في أروقة المكان مجموعة من اللوحات الفسيفسائية الأخرى التي تم جمعها من مواقع مختلفة، ومن بينها فسيفساء كنيسة المسرح وفسيفساء الأكروبوليس في ماعين، ما يجعل المتنزه بمثابة معرض مفتوح لفن الفسيفساء.
ويقول السائح الهولندي وليم إن زيارته إلى مادبا كانت مميزة، مشيرا إلى أنه فوجئ بحجم التنوع الأثري في المدينة، حيث يمكن للزائر مشاهدة آثار من عصور مختلفة في مكان واحد، ما يجعل التجربة غنية وممتعة ويمنح انطباعا عميقا عن تاريخ المنطقة.
ولا يقتصر دور المتنزه على عرض الآثار فقط، بل يستضيف أيضا فعاليات ثقافية وفنية، مثل الندوات والحفلات، في مسرح مخصص لذلك، ما يجعله مكانا حيويا يجمع بين الماضي والحاضر، ويسهم في تنشيط الحركة الثقافية والسياحية في المدينة.
وفي سياق متصل، يوضح مدير سياحة مادبا وائل الجعنيني أن متنزه مادبا الأثري يقع ضمن المسار السياحي المتكامل في المدينة، الذي يبدأ من مركز زوار مادبا كنقطة انطلاق رئيسية للأفواج السياحية، ثم يتجه الزوار إلى معهد مادبا لفن الفسيفساء القريب من المتنزه، حيث يتعرفون على هذا الفن العريق وأساليب تنفيذه.
ويتابع المسار باتجاه شارع مادبا السياحي، الذي يضم عددا من المعالم البارزة، مثل قصر المحترق، ومسجد الراحل الملك الحسين بن طلال، إضافة إلى المحال الحرفية والبازارات والمقاهي والمطاعم التي تعكس الطابع الشعبي والتراثي للمدينة، قبل الوصول إلى كنيسة الخارطة، كنيسة القديس سان جورجيوس، التي تعد من أشهر المواقع الدينية والسياحية في مادبا.
ويمتد المسار بعد ذلك إلى سوق مادبا القديم، حيث الحياة اليومية والحركة التجارية التقليدية، وصولا إلى كنيسة رأس يوحنا المعمدان في دير اللاتين على تل مادبا الأثري، ومن ثم إلى متحف آثار مادبا وكنيسة الرسل، في رحلة متكاملة تعكس ثراء المدينة وتنوعها التاريخي والديني.
ويعد هذا المسار السياحي جزءا من الجهود المبذولة لتعزيز مكانة مادبا كوجهة سياحية مميزة في الأردن، حيث تتكامل المواقع الأثرية والدينية مع المرافق السياحية والخدمية، لتقدم للزائر تجربة غنية تجمع بين المعرفة والمتعة.
ويشكل متنزه مادبا الأثري محطة أساسية في هذه الرحلة، كونه يقدم صورة شاملة عن تاريخ المدينة، ويعكس تداخل الحضارات التي مرت بها، ليبقى شاهدا حيا على عمق مادبا الحضاري ومكانتها على خريطة السياحة الأردنية.

 

 أحمد الشوابكة/ الغد

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة