محمية العقبة البحرية.. رحلة وطنية امتدت لنحو نصف قرن تتوّج بإدراجها في قائمة التراث العالمي

لم يكن إدراج محمية العقبة البحرية على قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) إنجازاً تحقق بين ليلة وضحاها، جاء تتويجاً لمسيرة وطنية امتدت لما يقارب خمسة عقود من الدراسات العلمية والتخطيط المؤسسي والعمل الميداني، لترسخ المملكة حضورها على خارطة حماية التراث الطبيعي العالمي، وتؤكد مكانة العقبة كواحدة من أهم المواقع البحرية ذات القيمة البيئية الاستثنائية.
ويستعرض إنفوغراف توثيقي بعنوان “رحلة وطنية صنعتها الإرادة والعلم.. كيف أصبحت محمية العقبة البحرية ذات قيمة عالمية استثنائية؟”، أعده الباحث والخبير البيئي إيهاب عيد، أبرز المحطات التاريخية التي قادت إلى هذا الإنجاز الوطني، موثقاً رحلة امتدت لنحو 45 عاماً من العمل العلمي والإداري والتشريعي، حتى تُوجت يوم السبت الموافق 25 تموز 2026 بإدراج المحمية رسمياً على قائمة التراث العالمي.
وقال الباحث والخبير البيئي إيهاب عيد إن إعداد هذا الإنفوغراف جاء بهدف توثيق وتلخيص رحلة وطنية امتدت قرابة 45 عاماً، شارك في صناعتها علماء وباحثون ومؤسسات وطنية وصناع قرار، وتوجتها الإرادة السياسية والدعم الملكي المباشر بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، ومتابعة ودعم سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد. وأضاف أن هذه الجهود المتراكمة أثمرت اعترافاً دولياً بأن محمية العقبة البحرية تمتلك قيمة عالمية استثنائية (Outstanding Universal Value)، وهو ما مهد الطريق لإدراجها على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو.
وأوضح عيد أن هذا المفهوم يعني أن الموقع يتمتع بأهمية طبيعية أو ثقافية فريدة تتجاوز الحدود الوطنية، ويشكل إرثاً مشتركاً للأجيال الحالية والمستقبلية، الأمر الذي يجعل المحافظة عليه مسؤولية دولية تتشارك فيها الإنسانية جمعاء.
ويؤكد الإنفوغراف أن الاعتراف العالمي جاء نتيجة إيمان مبكر بأهمية البيئة البحرية في خليج العقبة، وتراكم طويل من الدراسات والأبحاث العلمية، والتعاون بين المؤسسات الوطنية والخبراء وصناع القرار، وصولاً إلى الاعتراف بأن محمية العقبة البحرية تمتلك “قيمة عالمية استثنائية” تجعلها إرثاً مشتركاً للبشرية يستحق الحماية.
ويشير إلى أن مفهوم “القيمة العالمية الاستثنائية” يعني أن الموقع يتمتع بأهمية طبيعية تتجاوز الحدود الوطنية، ويشكل جزءاً من التراث الإنساني المشترك، الأمر الذي يضع مسؤولية المحافظة عليه على عاتق المجتمع الدولي إلى جانب الدولة المستضيفة.
وبحسب التسلسل الزمني الذي عرضه الإنفوغراف، بدأت أولى خطوات حماية البيئة البحرية في العقبة عام 1975، عندما خُصص شريط ساحلي بطول يقارب 900 متر لمحطة العلوم البحرية جنوب ميناء الركاب، ومنع تنفيذ أي أنشطة أخرى فيه، في أول إجراء عملي لحماية البيئة البحرية في الأردن.
وفي عام 1977، موّلت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) دراسة متكاملة عن البيئة البحرية في الساحل الجنوبي للعقبة، أوصت بإنشاء منطقة بحرية محمية، لتتواصل بعد ذلك الدراسات العلمية التي أكدت خلال ثمانينيات القرن الماضي أن أعمال التطوير الساحلي قد تلحق أضراراً مباشرة بالشعاب المرجانية والأنظمة البيئية البحرية، ما عزز المطالبة بإيجاد إطار قانوني وإداري لحمايتها.
وخلال الفترة ما بين عامي 1984 و1985، جرى توثيق الخصائص البيئية والجيومورفولوجية للشعاب المرجانية، وهو ما وفر قاعدة علمية متينة للتخطيط المستقبلي، فيما أوصت دراسات التخطيط الحضري عام 1987 بحماية الشعاب المرجانية وإدماجها ضمن المخطط الرسمي لمدينة العقبة.
وفي عام 1991، أُعدت الاستراتيجية الوطنية للبيئة بدعم من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، والتي أوصت بإنشاء متنزه بحري وطني، قبل أن تُعد عام 1992 دراسة تفصيلية للحدود الأولية للمحمية، فيما شهد عام 1996 إطلاق خطة العمل البيئية لخليج العقبة، لتنتقل فكرة إنشاء المحمية من مرحلة الدراسات إلى التنفيذ الفعلي.
ويبين الإنفوغراف أن عام 1997 شكل محطة مفصلية، عندما أصدر مجلس الوزراء قراراً بإنشاء متنزه بحري يمتد لنحو سبعة كيلومترات على الساحل الجنوبي، قبل أن يحمل الموقع عام 1999 الاسم الرسمي “متنزه العقبة البحري”، إيذاناً ببدء مرحلة الإدارة المؤسسية.
وتواصلت مسيرة التطوير بإعداد أول خطة إدارة للمحمية عام 2000، ثم تحديثها عام 2014 ضمن مشروع ممول من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، ركز على الإدارة المتكاملة للمناطق الساحلية وحماية التنوع الحيوي البحري.
ويبرز عام 2019 باعتباره من أهم المحطات في مسيرة المحمية، حيث جاءت التوجيهات الملكية السامية بالبحث عن أفضل السبل لحماية البيئة البحرية في خليج العقبة، خاصة بعد أن أثبتت الدراسات العلمية أن الشعاب المرجانية في الخليج تتمتع بقدرة فريدة على مقاومة آثار ارتفاع درجات الحرارة والتغير المناخي، وهو ما منحها أهمية عالمية في مجال الأبحاث البيئية.
وفي الثالث من حزيران عام 2020، صدرت الإرادة الملكية السامية بإعلان متنزه العقبة البحري محمية بحرية وطنية تحت اسم “محمية العقبة البحرية”، وإدراجها ضمن شبكة المحميات الطبيعية الأردنية، قبل أن يعلن مجلس الوزراء في كانون الأول من العام ذاته إنشاء المحمية رسمياً على مساحة تبلغ نحو 8.2 كيلومتر مربع، تغطي قرابة 30 بالمئة من المياه الإقليمية الأردنية، لتصبح أول محمية بحرية وطنية في المملكة.
ويؤكد الإنفوغراف أن هذه الرحلة الطويلة، التي امتدت لما يقارب 45 عاماً من الدراسات والتخطيط والعمل المؤسسي، أثمرت في الخامس والعشرين من تموز 2026 عن اعتراف عالمي بإدراج محمية العقبة البحرية على قائمة التراث العالمي لليونسكو، في إنجاز يعكس نجاح الأردن في بناء نموذج متوازن يجمع بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على البيئة.
ويمثل هذا الإدراج مكسباً استراتيجياً للعقبة، إذ يعزز مكانتها كوجهة عالمية للسياحة البيئية والغوص والبحث العلمي، ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون الدولي في مجال حماية النظم البيئية البحرية، كما يعزز من فرص الاستثمار المستدام المرتبط بالاقتصاد الأزرق، ويؤكد أن حماية الموارد الطبيعية أصبحت جزءاً أساسياً من مسيرة التنمية في المدينة.
ويبرز الإنفوغراف، ان ما تحقق بداية مرحلة جديدة من المسؤولية الوطنية والدولية للحفاظ على محمية العقبة البحرية، باعتبارها إرثاً وطنياً وكنزاً طبيعياً عالمياً، يروي قصة نجاح أردنية صنعتها الإرادة، وأسندها العلم، وحمتها الرؤية الملكية، حتى أصبحت العقبة اليوم حاضرة بين أهم المواقع الطبيعية ذات القيمة العالمية الاستثنائية.


