مصر التي في خاطري/ د. حفظي اشتية

 

د. حفظي اشتية

تهفو القلوب إلى أمة عربية مجيدة، خرج فرسانها من الجزيرة، وأطاحوا بإمبراطوريات الدنيا في ظلال راية العقيدة الإسلامية العتيدة، وملأوا دنيا العالم القديم صهيلا وصهيلا وعدلاً وتنويراً وحضارة عزّ نظيرها تحت الشمس قروناً مديدة.

وعندما نذكر أمة العرب نتذكر فوراً واسطة عقدها وعنوان مجدها “مصر العظيمة”.

-مصر الحضارة القديمة العملاقة ترسم على جناب النيل هيروغليفيتها الساحرة السرمدية، وتشخص أهراماتها شاهدة أبدية على عظمة الشرق وسحر الشرق وأسرار الشرق الدفينة المكينة.

-مصر الإسلامية ترفل راضية بثياب العروبة يقْدُم بها عمرو بن العاص، وتخلع أردية روما، وتنصهر سريعاً في عالمها الطبيعي الشرقي، وتكون قطب الرحى الإسلامي الواعد القادم، والبوابة العريضة للفتوح الإسلامية في المغرب والأندلس.

-مصر الفاطمية ترسي قواعد البناء والمجد، فتعلو مآذن القاهرة تملأ الرحب والفضاء، ويبقى النداء موصولاً بين الأرض والسماء، والأزهر يتسنمّ سدّة العلم والدين، ويظلّ محجّ شداة العلم، وأرومة متينة للعرب والمسلمين.

-مصر صلاح الدين وقاعدته الأولى للتحرير والتوحيد، وحيثما اجتمعت أجناد مصر والشام نهضت الأمة من كلّ كبوة، وأعادت رسم خريطة الشرق عربية إسلامية من جديد.

-مصر المملوكية ترى أمة الإسلام تتهاوى أمام جحافل المغول، فيهبّ رجالها خفافا وثقالا، يزحفون نحو فلسطين، ويستأصلون شأفة الغزاة المعتدين، ويحمون العروبة ويحفظون الدين.

-مصر قلاوون يزحف نحو عكا آخر معاقل الصليبيين، فيخطّ بدماء التضحية والفداء السطر الأخير من حكاية الواهمين القادمين لإطفاء نور الله، الطامعين في خيرات المشرق العربي وثرواته.

-مصر المنصورة يأتيها ملك فرنسا لويس التاسع غازياً، فيندحر، ويفنى جيشه، ويُؤسر، ويُقاد مكبلاً ذليلاً ليُسجن في دار ابن لقمان ريثما يفدي نفسه، ويٌكلّف بخدمته طواشى اسمه صبيح، وليس أميرا كما جرت العادة بشأن الملوك الأسرى، وذلك إمعاناً في إذلاله، وعندما هدّد مَن بعده بالثأر له، جاء ردّ ابن مطروح سخرية لاذعة خالدة، سارت بها الركبان وما زالت:

وقُل لهم إنْ أضـــمروا عودةً         لأخـــذِ ثـــــأرٍ أو لفعلٍ قبيحْ

دار  ابن لقمان على عهدها       والقيدُ باقٍ والطواشى صبيحْ

-مصر النهضة العربية الحديثة ومشاعلها النيّرة منذ محمد علي باشا، وطلائع رُوّادها المنصهرين في حماها من أهلها ومن الوافدين إليها، يجوبون الدنيا ويجلبون العلوم وجنى الحضارات وجديد العصر، وتتوالى مواكبهم، وتنتثر أسماؤهم نجوماً في سماء الشرق يضيئون ظلمته، ويُذكون شعلته:

الطهطاوي والكواكبي والأفغاني ومحمد عبده وطه حسين والعقاد وأحمد أمين والمازني والمنفلوطي والرافعي  والبارودي وشوقي وحافظ إبراهيم وأحمد رامي ونجيب محفوظ….. إلخ.

-مصر القُرّاء العظماء يسكنون القلوب ويعمرونها بالإيمان، ويلمعون كواكب في كبد السماء:

محمد رفعت والمنشاوي وعبدالباسط والحصري والطبلاوي …….. إلخ.

-مصر الفنون السامية الراقية، وأفنانها اليانعة: سيّد درويش ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم وفريد الأطرش والسنباطي….إلخ.

-مصر الثائرة على الاستعمار خطباؤها يوقدون الحميّة في قلوب الثوار، فيعلو كعب مصطفى كامل وسعد زغلول وأحمد عرابي….. إلخ.

-مصر القائدة للعالم العربي، الداعمة لثورة الجزائر، المحتضنة لكلّ الأحرار، المضحية من أجل فلسطين، العابرة نحو سيناء:

في سيناء كان البدء، وعسى أن يكون فيها المنتهى، مادام مائة مليون مصري، وأضعافهم من العرب تتفجّر شرايينهم برفض الذلّ وإباء الضيم، وما دامت مصر قلب العروبة ودوحة الإسلام تسكن في قلوبنا، وتحيي الآمال في نفوسنا. 

 

“مصر التي في خاطري وفي فمي               أحبها من كلّ روحي ودمي

ياليت كلّ مؤمن بعزها يحبها حبي لها

بني الحمى والوطن، مَن منكم يحبها مثلي أنا؟

نحبها من روحنا ونفتديها بالعزيز الأكرم من عمرنا وجهدنا

عيــشوا كراماً تحـــــت ظـــلّ العلم           تحيــــــــا لـــنا عزيـــــزة في الأمـم

أحبـــها لظـــــلـــــــــها الظليـــــــل             بــيــن المــروج الخضر والنـــــخيل

نباتهـــا ما أينعه مفضضــا مذهبــــا          ونيلها ما أبدعه يختال ما بين الربى!

لا تبـــخلوا بمـــائها علــــى ظـــــــمِي   وأطـــعموا مــن خيــــرها كــلّ فم

صونوا حماها وانصروا مَن يــحتمي

أحبـــــــها للمــــوقــــف الجـــــلــيـــــلِ     من شــــعبهــا وجـــيشـــها النبيـلِ

دعا إلى حقّ الحياة لكلّ مَن في أرضها       وثار في وجه الطغاة منادياً بحقها

وقـــــال فــــي تــــاريــخه المـــــجيــــدِ     يــادولـــة الظـلم انمــحي وبِيْــدي

بني الحمى والوطن مَن منكم يحبها مثلي أنا ؟؟؟!!!”

التعليقات مغلقة.

مقالات ذات علاقة