مضيق هرمز.. الشريان الذي قد يختنق معه اقتصاد العالم

بقلم // محمد متعب الفريحات
في الخريطة يبدو مضيق هرمز ممرا ضيقا بين ضفتين من اليابسة، لكن العالم كله يعرف انه قد يكون اخطر نقطة على وجه الأرض. فكلما ارتفعت حدة التوتر في الخليج تتجه العيون نحو ذلك الممر البحري الضيق بين ايران وسلطنة عمان، حيث يمر شريان طاقة يعتمد عليه اقتصاد العالم. ناقلات نفط تعبر ببطء ثقيل، اساطيل تراقب من بعيد، وأسواق عالمية تترقب أي خبر يخرج من تلك المياه الضيقة.
لم يعد المضيق مجرد طريق للتجارة، بل تحول الى عقدة استراتيجية في صراع يتصاعد بين ايران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. فطهران تدرك جيدا قيمة هذا الموقع، وتتعامل معه بوصفه ورقة ضغط قادرة على ارباك الاقتصاد العالمي اذا وصلت المواجهة الى لحظة كسر العظم.
في المقابل تنظر واشنطن الى المضيق من زاوية أوسع. فاضطراب هذا الشريان لا يضرب أسواق الطاقة فقط، بل يمتد اثره الى اقتصادات كبرى تعتمد عليه، وعلى رأسها الصين. وفي زمن يتصاعد فيه التنافس الدولي يصبح التحكم بالممرات البحرية ومفاتيح الطاقة جزءا من معركة النفوذ التي يعاد رسمها بهدوء في اكثر من مكان في العالم.
غير ان المشهد لا يكتمل من دون التوقف عند الدور الإسرائيلي وتحقيق حلمها من النيل الى الفرات . فتل ابيب تنظر الى الصراع مع ايران بعيون ابعد من حدود المواجهة المباشرة. اضعاف طهران واستنزاف قدراتها قد يفتحان الباب امام واقع إقليمي جديد يميل ميزان القوة فيه لمصلحتها. وفي الشرق المضطرب تعرف إسرائيل جيدا ان الفوضى الطويلة أحيانا تمنح مكاسب لم تستطع السياسة تحقيقها، ولهذا يبدو أحيانا وكأن المنطقة تُدفع خطوة إضافية نحو حافة الاشتعال.
الصين وروسيا تراقبان المشهد من خلف الستار. كلاهما يدرك ان سقوط ايران استراتيجيا سيعني تمددا اكبر للنفوذ الغربي في قلب اسيا. لذلك يظل الدعم لطهران قائما، لكنه يجري بحسابات دقيقة، بعيدا عن مواجهة مباشرة قد تفتح باب صدام دولي أوسع.
وسط هذه الحسابات الثقيلة تبقى المنطقة نفسها في قلب العاصفة. البحار والمضائق والموانئ تتحول تدريجيا الى خطوط تماس بين مشاريع متنافسة على النفوذ والموارد. وكأن الجغرافيا هنا لا تهدأ طويلا قبل ان تجد نفسها مرة أخرى في قلب صراع جديد.
واذا وصل التصعيد الى لحظة اغلاق مضيق هرمز فلن يكون الامر مجرد خبر عاجل في نشرات الاقتصاد. العالم قد يجد نفسه امام واحدة من اخطر أزمات الطاقة في العصر الحديث، قفزات حادة في أسعار النفط، اضطراب في سلاسل التزويد، وموجات تضخم تضرب الأسواق في وقت يعاني فيه الاقتصاد الدولي أصلا من توترات متراكمة.
في النهاية قد يبدو مضيق هرمز مجرد ممر ضيق على الخريطة، لكنه في الحقيقة عقدة حساسة في عنق الاقتصاد العالمي. وحين تشتد الصراعات بين القوى الكبرى لا تبقى المضائق مجرد جغرافيا، بل تتحول الى مفاتيح للنفوذ وشرارات قد تشعل أزمات تتجاوز حدود البحر الى مستقبل عالم كامل.

