معركة الكرامة .. خضر شكري يعقوب والهدف موقعي // محمد متعب الفريحات

==

في ذاكرة لا تنطفئ، تعود معركة الكرامة بوصفها لحظة فاصلة في وعي الانسان، لحظة لا تقاس بنتائجها فقط، بل بما كشفته من معادن الرجال. هناك، لم تكن المواجهة مجرد اشتباك عسكري، بل اختبارا حقيقيا للثبات، حين تصبح الكرامة خيارا لا يحتمل التراجع.
في قلب ذلك المشهد، وقف خضر شكري يعقوب دنكجيان بثبات يندر، هادئا، واضحا، مدركا ان بعض المواقف لا تقبل انصاف الحلول. لم يكن يبحث عن بطولة، ولا عن نجاة، بل عن معنى يليق بما يؤمن به، معنى لا يكتمل الا بالفعل.
وحين جاء صوته عبر اللاسلكي، لم يكن مجرد نداء، بل لحظة وضوح حاد، لحظة تختصر المسافة بين الحياة وما يستحق ان تعاش من اجله، صوت من فوق الربوة لا يموت.
الى واحد واحد.. الهدف موقعي.. اشهد ان لا اله الا الله، واشهد ان محمدا رسول الله.. ارمي ارمي.. انتهى.
لم تكن الكلمات كثيرة، لكنها كانت كافية لتضع كل شيء في مكانه. وضوح لا يحتمل التأويل، وثبات لا يترك مجالا للتردد. في تلك الثواني، لم يكن الصوت مجرد رسالة، بل موقف كامل يعلن نفسه دون شرح.
الهدف موقعي.. ارمي ارمي.. انتهى.
بهذا الايجاز، سقطت كل الحسابات، ولم يبق الا القرار. قرار لا يصدر الا عن انسان تصالح مع قدره، واختار ان يكون صادقا حتى اللحظة الاخيرة. يا لها من لحظة، لحظة تتوقف فيها عقارب الزمن لتشهد على رجل لم يخن العهد ولم يساوم على شرف الكرامة. هناك، تحت ازيز الرصاص، كان يقف منتصبا يواجه قدره بثبات المؤمن، وكأنه يدرك ان الموت في سبيل الله بداية لا نهاية.
ما جرى لم يكن مجرد تضحية، بل اعادة تعريف لمعنى الكرامة. فالانتصار لا يقاس دائما بما يتحقق على الارض، بل بما يثبت في الموقف. وخضر شكري يعقوب كان من اولئك الذين لم يتركوا مسافة بين قناعتهم وفعلهم، فصار صوته اثرا لا يبهت.
تمر السنوات، وتتبدل الوجوه، وتخفت اصوات كثيرة، لكن بعض الجمل تبقى. ليس لانها قيلت، بل لانها قيلت في لحظتها الصحيحة. ومع كل ذكرى لمعركة الكرامة، يعود صوته كما هو:
الى واحد واحد.. الهدف موقعي…
هكذا لا يبقى الاسم مجرد ذكرى، بل يتحول الى علامة، وصوت لا ينطفئ. صوت يذكرنا ان الكرامة لا تكتب بالكلمات وحدها، بل بالثبات حين يصبح الصمت اسهل، وبالصدق حين يكون الثمن باهظا.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة