مفتاح سقوط اليمين وصعود “آيزنكوت” في واجهة الأقنعة الإسرائيلية// // حسن محمد الزبن

 

يشعر السياسيون في إسرائيل، في ظل الجمود السياسي وتفاقم التحديات الاقتصادية، بأنهم عالقون في مشهد مفتوح على احتمالات قد تفاجئهم في أي لحظة، وتتأرجح قراءاته بين التحليلات الواقعية والتفسيرات المبالغ فيها التي تصوّر الوضع بوصفه صراعًا على السلطة تتحكم فيه الدولة العميقة، وفي كل أزمة سياسية تأتي لحظة تصبح فيها الأرقام أكثر من مجرد حسابات برلمانية، لتغدو مفتاحًا لتحديد مسار المرحلة، وقد بلغت الخريطة السياسية في إسرائيل هذه اللحظة عقب إغلاق صناديق الاقتراع في انتخابات الكنيست السادسة والعشرين؛ إذ لم تُفضِ النتائج، رغم ارتفاع نسبة المشاركة وتدفّق أصوات الجنود وأفراد الاحتياط والدبلوماسيين، إلى مخرج من الأزمة، بل أفرزت مشهدًا سياسيًا مأزومًا وانسدادًا برلمانيًا غير مسبوق منذ تأسيس الدولة، ومع تصاعد التكهنات بشأن احتمال دخول المنظومة السياسية في جولة انتخابية سابعة غير مسبوقة، وتحت وطأة التحذيرات المتكررة الصادرة عن بنك إسرائيل من مخاطر خفض التصنيف الائتماني وانهيار العملة، برز بقوة الحديث عن خطة إنقاذ رئاسية قسرية يقودها الرئيس “إسحاق هرتسوغ”، بدعم من المستشارة القضائية، لفرض حل تكنوقراطي يعيد ترتيب المشهد السياسي، إلا أنه في خضم النقاش الإعلامي حول إمكانية استخدام الرئيس ما يُسمّى حق النقض الدستوري للضغط على حزب شاس وزعيمه “أرييه درعي”، الذي يُعدّ مفتاح تشكيل الأغلبية، يبرز سؤال جوهري مفاده هل يملك الرئيس الإسرائيلي بالفعل مثل هذه الصلاحيات الدستورية، أم أن هذا التصور ليس سوى تبسيط لمعضلات برلمانية معقدة؟
الحقيقة التي يكشفها ما يجري خلف الكواليس في الكنيست، وما تنص عليه القوانين الأساسية للدولة العبرية، هي أن هذه الفكرة تجمع بين تشخيص الأزمة الاقتصادية والجمود البرلماني الفعلي، وبين تصور حل لا يستند إلى صلاحيات قانونية قائمة؛ فالرئيس الإسرائيلي لا يملك حق النقض، ولا يستطيع أن يقرر منفرداً كيفية تشكيل الحكومات أو استبعاد قوى سياسية بعينها. كذلك، لا تملك المستشارة القضائية سلطة تخوّلها تجاوز إرادة البرلمان.
أرى أن فكرة الدفع بحزب “شاس” ليكون مفتاحاً لتحالف ثلاثي صامت، ينبثق عنه مجلس طوارئ وطني بقيادة “غادي آيزنكوت” و”نفتالي بينيت”، بهدف إقصاء قوى اليمين المتطرف وتحييد بنيامين نتنياهو، تبدو جذابة لمن يبحثون عن الأمان والحفاظ على استقرار العملة الوطنية. لكنها تصطدم بعقبات كبيرة تفرضها موازين القوى الفعلية في البرلمان والواقع الميداني. في خضم هذا التحدي، برز دعم واسع ومنظم من الناخبين العرب في المدن والبلدات المختلطة، شكّل قوة حاسمة في إعادة ترتيب الأوراق السياسية؛ فقد نجحت القوائم العربية، بقيادة منصور عباس وأيمن عودة، في تأمين ثمانية عشر مقعداً، وانتقلت من موقع المراقب الهامشي إلى دور بيضة القبان الفعلية، لتقيم حاجزاً صلباً أمام آمال اليمين في تحقيق حسم مريح. ورفع هذا الحضور الانتخابي عتبة الحسم حسابياً، وأسهم في هدر آلاف الأصوات التي ذهبت إلى أحزاب يمينية صغيرة، ما أبقى كتلة الائتلاف بقيادة “بنيامين نتنياهو” عند خمسين مقعداً، بعيداً عن الأغلبية المطلقة اللازمة للحكم، وفي المقابل، وفّر هذا الحضور شبكة أمان لمعسكر الوسط واليسار، المتمثل في حزب يشار وحلفائه، الذي حاز واحداً وخمسين مقعداً، ومنع اليمين من الانفراد بالسلطة. وهذا تحول نوعي يثير مخاوف الصهيونية الدينية، لأنه يثبت أن المواطنين العرب أصبحوا عاملاً حاسماً في تحديد موازين السلطة، حتى لو بقيت شبكة الأمان هذه خارج الائتلاف، ولم تتحول إلى شراكة فعلية في الحكم.
وتحت وطأة هذا الجمود، دارت في الكواليس صراعات لوجستية وأمنية قادها رئيس طاقم نتنياهو، “تساحي برافرمان”، مستهدفاً النواب الجدد في قائمة الاحتياط. هؤلاء انضموا إلى الكنيست خلال فترة التعبئة العسكرية، ولم تكن ولاءاتهم الحزبية قد ترسّخت بعد. وباستخدام أساليب الابتزاز والوعود بالحقائب السيادية، نجح الليكود في تحقيق اختراق مبكر وحاسم، إذ دفع إلى سحب توقيعين خطيين، ما قلّص الكتلة المقابلة وجعلها أكثر هشاشة، وبذلك، كرّس منطقاً مفاده أن قيمة توقيع الشرف لا تتجاوز قيمة الحقيبة المعروضة مقابل نقضه، موجّهاً رسالة واضحة أن نتنياهو قادر على تفكيك صفوف خصومه قبل وصولهم إلى الحكم، ويشعر نتنياهو برعب وجودي من أن يؤدي إقصاؤه عن السلطة إلى تجريده من الحصانة السياسية، ليجد نفسه أمام خيارين إما السجن الفعلي، أو صفقة ادعاء تنهي مسيرته، وهذا ما يدفعه إلى جرّ البلاد نحو حافة مواجهة قضائية مع المحكمة العليا، سعياً إلى كسب الوقت، وفي النهاية، لا يبدو المشهد، في ظل هذا الانسداد وحسابات البرلمان المعقدة، مجرد انقلاب تكنوقراطي أو حل قسري يفرضه بيت الرئاسة، بل تفعيلًا من “هرتسوغ” لأدواته التقليدية، عبر هندسة وساطة شاقة والدفع نحو حكومة وحدة وطنية واسعة تجمع الخصمين اللدودين، الليكود ويشار، بهدف تهدئة الأسواق وحماية الشيكل، ويتزامن ذلك مع اصطفاف أذرع المؤسسة العميقة خلف صيغة الاستقرار، وضعف موقف نتنياهو الذي يكافح لكسب الوقت بدلاً من الإمساك بزمام المبادرة، فهي معركة باردة لكسب الوقت، يبقى فيها الشيكل معلّقاً بين حسابات الساسة وصناديق الاقتراع المنهكة.
في هذا السياق، يبرز تحليل المحلل السياسي ماهر أبو طير، الذي يكشف وهم التغيير الكبير الذي قد يوحي به هذا المخرج؛ إذ يرى أن وصول “آيزنكوت” وتشكيل حكومة بديلة لا يعنيان تغييرًا في جوهر الصراع، بل تبديلًا في أسلوب إدارته. ويوضح أن آيزنكوت، وإن كان يعارض الضم الشامل، وينتقد عنف المستوطنين والبؤر الاستيطانية غير المرخصة، ويرفض البناء في منطقة E1 الحساسة شرق القدس، بما قد يُحسّن علاقات تل أبيب مع واشنطن والعواصم الأوروبية ويُرمّم صورتها الدولية، فإنه لن يغيّر الثابت الأعمق في سياسة نتنياهو، والمتمثل في الرفض القاطع لقيام دولة فلسطينية. لذلك، يكمن الفارق الحقيقي في أن نتنياهو كان يدير الاحتلال بقبضة عارية وخشنة، بينما سيديره “آيزنكوت” بقفازات حريرية ناعمة؛ فقد يتوقف التهجير القسري المعلن، ليحلّ محله تهجير ناعم عبر الخنق الاقتصادي والتضييق المدروس على الحياة اليومية، بهدوء لا يستفز الغرب، وبذلك، تتحقق الأهداف الاستراتيجية ذاتها لليمين، ولكن تحت غطاء من القبول الدولي. ومن منظور الأردن وفلسطين، قد يكون هذا النهج أشد خطورة في بعض جوانبه؛ فالعالم يعرف كيف يغضب من الضم المعلن، لكنه لا يعرف كيف يغضب من الضم الصامت الذي يجري تحت لافتة التهدئة. ويتسق هذا التحليل البنيوي مع طبيعة التحركات الدبلوماسية الغربية التي تُهندَس خلف الستار، حيث تمارس عواصم أوروبية والإدارة الأمريكية ضغوطًا غير معلنة لتسريع تشكيل ائتلاف آيزنكوت–بينيت، لا خدمةً للحقوق الفلسطينية، بل لإنقاذ إسرائيل من عزلتها الدولية المتزايدة، واستباقًا للاستحقاقات الانتخابية الغربية وما تفرضه من حسابات داخلية معقدة.
القوى الغربية اليوم تبحث عن شريك إسرائيلي مريح يمكن تسويقه عالميًا لاحتواء حركات المقاطعة وتخفيف الضغوط الناجمة عن التحقيقات الجنائية الدولية، وترى في جنرال سابق مثل آيزنكوت مواصفات مناسبة لهذا الدور، إذ يبدو عقلانيًا وقادرًا على تقديم استمرار الاحتلال بوصفه ملفًا إداريًا وأمنيًا مقبولًا دوليًا، مع إبقاء الباب مغلقًا أمام أي تسوية سياسية حقيقية تضمن قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وتواجه عواصم المنطقة وبالذات عمان ورام الله ما يشبه العاصفة في الإقليم، إذ لا فائز في هذه المعادلة، فإذا أفضى التعادل إلى تسوية تقودها حكومة وحدة وطنية برئاسة آيزنكوت، فستدير الصراع بلطف مميت، وتعيد تشكيل الوقائع على الأرض بصمت وتحت غطاء دولي، وإذا فشلت هذه الصيغة، فسيستغل اليمين الفراغ المصاحب للمرحلة الانتقالية لفرض خطط الضم، وتصفية ملف القدس، وتسريع انهيار السلطة الفلسطينية، وستتفاقم التحديات الوجودية، خصوصًا إذا اندلعت مواجهات إقليمية كبرى تعيد خلط الأوراق بالكامل، لذلك، فإن المطلب الأردني والفلسطيني الحقيقي ليس تبديل الأسماء في القيادة الإسرائيلية، بل وقف المسارات نفسها، وهنا تكمن المفارقة المؤلمة؛ فالحكومة الأكثر قدرة على الاستجابة لهذا المطلب قد تكون أيضًا الأقدر على تمييعه، وفي النهاية، قد يُختتم المشهد بتسوية تقليدية شاقة تُخرج نتنياهو إلى قاعات المحكمة، وتأتي بآيزنكوت أو بصيغة وحدة وطنية إلى رئاسة الحكومة، وفق تفاهمات معينة، من دون أن يتغير الثابت الوحيد بغض النظر من يحمل القناع الاسرائلي، وذلك باستمرار الاحتلال، وبقاء الضفة الغربية مفتوحة على كل الاحتمالات.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة