مقام النبي هارون.. بين تجاوزات الزوار وقرارات الحماية

بعد مسيرٍ بلغ 13 كيلومترًا، وصلنا إلى مقام النبي هارون، ذلك الموقع الذي نحرص على زيارته بين الحين والآخر، لما يتمتع به من جمال طبيعي استثنائي، وأهمية دينية وتاريخية تجعله أحد أبرز المعالم المرتبطة بمدينة البترا العريقة ومحيطها الاثري.
لكن ما لفت انتباهنا خلال الزيارة هو تركيب باب حديدي يمنع الصعود إلى سطح المقام، مثبت بأوتاد في جسم البناء التاريخي، في إجراء لم نعتد مشاهدته خلال زياراتنا السابقة، ويبدو أنه جاء للحد من سلوكيات غير مسؤولة صدرت عن بعض الزوار.
وتشير الدراسات التاريخية إلى أن المقام شهد أعمال ترميم عام 1320م بأمر السلطان الناصر محمد بن قلاوون، الأمر الذي يستدعي التعامل مع أي تدخل في بنائه بعناية، بما يضمن الحفاظ على قيمته التاريخية والمعمارية.
ومما يؤسف له أن بعض الزوار لا يدركون حساسية الموقع ومكانته الدينية والتاريخية. فقد شاهدنا سلوكيات غير مسؤولة من بعض الأفراد ومجموعات الهايكينج، تمثلت في الصعود إلى القبة الحجرية والوقوف عليها لالتقاط الصور، رغم تنبيهنا لهم إلى خطورة هذه التصرفات المقرونة بصور وما قد تسببه من مساس بحرمة المكان وسلامة بنيته الحساسة.
إن حماية المقام مسؤولية مشتركة، ولا ينبغي أن تؤدي تصرفات فردية إلى حرمان جميع الزوار من الاستمتاع بالموقع وفق ضوابط تحترم خصوصيته وتحافظ على سلامته حيث ان الكثير يتحمل مشقة المسافة والسفر. ومن هنا، فإن معالجة المشكلة تتطلب أكثر من إغلاق السطح؛ فهي تستدعي توعية الزوار، وتطبيق التعليمات اللازمة، والاستفادة من وجود حارس يقيم في الموقع لمنع التجاوزات والحد منها.
وفي المقابل، يثير الباب الحديدي بتصميمة الحالي تساؤلات حول مدى انسجامه مع المشهد التاريخي والجمالي للمقام. وكان من الممكن دراسة بدائل تحقق الغاية الأمنية نفسها، مع مراعاة الطابع المعماري للمبنى وتجنب التأثير غير الضروري على أحجاره التاريخية. كما أن طريقة تثبيت الباب تستحق تقييمًا فنيًا من مختصين في صون المباني التراثية، للتأكد من ملاءمتها لمتطلبات المحافظة على البناء.
ولا تقتصر المسألة على الجانب الجمالي؛ فطريقة الإغلاق قد تدفع بعض الزوار إلى محاولة تسلق الباب أو القفز من فوقه، بما قد يعرضهم لخطر السقوط والإصابة. وهذا ما يجعل اختيار وسيلة الحماية المناسبة أمرًا يتطلب مراعاة سلامة الزوار إلى جانب حماية الموقع.
ومع تكرار زياراتنا، نلاحظ إغلاق باب غرفة المقام، في حين يتطلب الوصول إلى الموقع صعود نحو 270 درجة بعد صعود الجبل للوصول إلى هذه القمة الجبلية.
وعند الاستفسار عن الجهة المسؤولة عن أعمال الصيانة وتركيب الباب، أُبلغنا بأن هذه الأعمال والإضافات لم تنفذها سلطة إقليم البترا أو المحمية، وإنما تمت من قبل الجهة المسؤولة عن المقام، وهي وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية، بالشراكة مع اللجنة الملكية لإعمار مقامات الأنبياء والصحابة.
التراث والتاريخ والمواقع الدينية ليست ملكًا لجيل واحد، والتصرفات غير المسؤولة لا ينبغي أن تتحول إلى سبب لحرمان الجميع، كما أن حماية الموقع لا تقتصر على إغلاق بعض أجزائه، بل تتطلب اختيار الوسائل الأنسب التي تصون الحجر وتحفظ للمكان قدسيته وجماله، وان لا يكون الحل دوما بالمنع
-الدستور – عبدالرحيم العرجان

