من الصفصافة إلى برقش ودبين.. التعديات المتكررة تكشف هشاشة منظومة حماية الغابات

عمان – لم تعد حادثة قطع الأشجار في منطقة الصفصافة، الواقعة بين جرش وعجلون مجرد اعتداء عابر على عدد من الأشجار الحرجية، بل أعادت فتح ملف قديم ومتكرر، يتعلق بقدرة الأردن على حماية ما تبقى من غاباته، في مواجهة سلسلة طويلة من التعديات التي تراوحت بين التحطيب الجائر، والحرائق المفتعلة، أو الناتجة عن الإهمال.

فما جرى في الصفصافة، التي تُعد من آخر الامتدادات الخضراء الكثيفة شمال المملكة، يعكس تحولا مقلقا في طبيعة الاعتداءات على الغابات، من مخالفات موسمية محدودة إلى ظاهرة متكررة، تكشف هشاشة منظومة الحماية والرقابة، في بلد لا تتجاوز فيه نسبة الغابات 0.04 % من المساحة الكلية، ويواجه أصلا ضغوطا مناخية ومائية متفاقمة.
ولم تكن هذه الحادثة الأولى من نوعها؛ إذ شهد الأردن خلال العقود الماضية سلسلة اعتداءات مماثلة على الثروة الحرجية، ففي تسعينيات القرن الماضي، برزت تعديات واسعة على غابات دبين وعجلون نتيجة التحطيب والرعي الجائر والتوسع العمراني، قبل أن تتجه الدولة لاحقا لإعلان أجزاء منها كمناطق محمية.
كما شهدت غابات برقش مرارا حرائق واعتداءات أثارت جدلا بيئيا واسعا، خاصة مع تكرار الحديث عن استثمارات ومشاريع في مناطق حرجية حساسة.
وفي الأعوام الأخيرة، تصاعدت الحرائق في غابات عجلون وجرش والسلط بصورة لافتة، حيث سجلت المملكة عشرات الحرائق الحرجية سنويا، بعضها أتى على مئات الدونمات من الأشجار المعمرة، في وقت حذرت فيه تقارير بيئية من أن التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة ساهما في جعل الغابات أكثر هشاشة وسريعة الاشتعال.
ويحذر مختصون، من أن خطورة ما يحدث لا تكمن فقط في خسارة الأشجار، بل في فقدان منظومات بيئية كاملة، تشمل التنوع الحيوي، وحماية التربة، والتوازن المائي، فضلا عن الأثر المناخي والسياحي والاجتماعي للغابات، التي تشكل متنفسا طبيعيا نادرا للأردنيين.
وفي رأي رئيس لجنة البيئة والمناخ النيابية النائب جهاد عبوي، توجه حماية الغابات والأشجار في الأردن حاليا تحديات حقيقية، لا سيما وأن ظاهرة التحطيب والحرائق أصبحت مقلقة على نحو في السنوات الأخيرة، خصوصا مع تكرار الاعتداءات على المناطق الحرجية، وارتفاع الضغوط المناخية والبيئية.
كما أن موسم التنزه، ساهم بزيادة الضغط على الغابات، نتيجة بعض الممارسات غير المسؤولة، سواء بإشعال النيران أو ترك النفايات، أو التعديات المباشرة على الغطاء النباتي، ما يستدعي التعامل مع الملف باعتباره قضية أمن بيئي ووطني، تبعا له.
ويكمن الخلل، كما يعتقد عبوي، في غياب الرقابة الاستباقية الكافية، وضعف الردع في بعض الحالات، ما يتطلب معه مزيدا من التنسيق بين الجهات المعنية. مشددا على أن الاعتداءات المتكررة تؤشر لوجود خلل واضح، يتطلب مراجعة شاملة للإجراءات الحالية، سواء على المستوى الرقابي أو التنفيذي، أو القضائي.
من وجهة نظر نيابية، أكد عبوي أنه لا يمكن القبول باستمرار هذه الاعتداءات دون مساءلة حقيقية، وإجراءات أكثر حزما في تطبيق القانون. وللحد من هذه الظاهرة، دعا إلى تشديد العقوبات بحق المعتدين، وتعزيز الرقابة الميدانية، واستخدام التكنولوجيا وأنظمة الرصد المبكر، إضافة إلى رفع جاهزية فرق الاستجابة.
وبناء على ذلك فإن لجنته النيابية، سيكون لها موقف رقابي وتشريعي حازم لمتابعة هذا الملف، بما يشمل مراجعة التشريعات الحالية، وتقييم أداء الجهات المعنية، والعمل على تعزيز أدوات الحماية والردع لمنع تكرار هذه الاعتداءات على الثروة الحرجية.
وأكد عبوي أن زيادة الوعي تبدأ من ترسيخ مفهوم أن الغابات، ليست مجرد أماكن للتنزه، بل منظومات بيئية واقتصادية وسياحية واجتماعية. مضيفا أن الاعتداء على الغابات، هو أيضا اعتداء مباشر على مورد سياحي ووطني، يشكل متنفسا للأردنيين وعنصر جذب بيئي وسياحي مهم.   أما تأثير هذه الظاهرة على الأردن، فهو خطر، لأنه يمس التوازن البيئي، ويفاقم التصحر، ويؤثر على التنوع الحيوي، ويضاعف من آثار التغير المناخي على المملكة، بحد قوله.
وتعكس التعديات الأخيرة على غابات الصفصافة تحديا خطرا، وهو يواجه منظومة حماية الغابات في الأردن، وفق رئيس اتحاد الجمعيات البيئية الاتحاد النوعي عمر الشوشان. بل إنها، تؤشر بوضوح لاستمرار بعض المعتدين باستهداف الثروة الحرجية في ظل غياب الرقابة الاستباقية الكافية، وضعف المعالجة الأمنية والقضائية الرادعة التي تمنع تكرار هذه الاعتداءات.
ولفت لـ “الغد”، إلى أن ما جرى لا يمكن التعامل معه كحادثة منفردة، بل باعتباره مؤشرا يستدعي مراجعة شاملة لآليات حماية الغابات، خصوصا في ظل التغيرات المناخية التي جعلت النظم البيئية أكثر هشاشة وعرضة للتدهور والحرائق والتعديات البشرية.
وأضاف الشوشان، أن موسم التنزه والضغط المتزايد على المناطق الحرجية في الأشهر الحالية، شكّل عبئا إضافيا على الغابات، سواء عبر زيادة النفايات، أو إشعال النيران على نحو غير مسؤول، أو التوسع في الممارسات التي تؤثر سلبا على الغطاء النباتي والتنوع الحيوي، ما يتطلب رفع مستوى الرقابة والجاهزية الميدانية خلال مواسم التنزه بشكل خاص.
وأوضح بأن جهود الجهات المعنية تبقى مهمة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من الاستجابة بعد وقوع الضرر إلى نهج وقائي، يعتمد على الرقابة الميدانية المستمرة، والرصد المبكر، وتطبيق القانون على نحو صارم بحق المعتدين على الغابات والثروات الطبيعية. مشددا على أن استمرار التعديات دون إجراءات حازمة، يبعث برسائل سلبية، ويعزز شعور بعضهم بإمكانية الإفلات من العقوبة.
وذلك الأمر، بحسبه، يستدعي تعزيز التنسيق بين الجهات البيئية والأمنية والقضائية، ورفع مستوى الجاهزية الميدانية لحماية المناطق الحرجية، بخاصة في المواقع الأكثر عرضة للاعتداءات.
وأكد الشوشان أن حماية الغابات لم تعد قضية بيئية فقط، بل أصبحت جزءا من منظومة الأمن الوطني والأمن المناخي، نظرا لدورها في الحفاظ على التنوع الحيوي، وحماية التربة، وتعزيز الأمن المائي، والتخفيف من آثار التغير المناخي.
ودعا الاستثمار في أنظمة رقابة حديثة، تعتمد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إلى جانب إشراك المجتمعات المحلية في مراقبة الغابات، والإبلاغ عن أي تجاوزات، باعتبارها شريكا أساسيا في حماية الموارد الطبيعية.
ولفت إلى أن حماية الغابات، تتطلب إرادة حقيقية في تطبيق القانون، ومحاسبة كل من يعتدي على البيئة، لأن خسارة الغابات لا تعني فقدان الأشجار فقط، بل فقدان جزء من التوازن البيئي، ومستقبل الأجيال القادمة.
ومن وجهة نظر أستاذ إدارة الموارد الطبيعية والبيئية في جامعة العلوم والتكنولوجيا د. محمد ربابعة فإن تطبيق الإدارة المجتمعة للموارد، يعد من بين الحلول الناجعة للتعامل مع الاعتداءات على الغابات.
ومن بين المقترحات كذلك، التي قدمها ربابعة، إنشاء جمعيات تعاونية حول المناطق الحرجية، تقوم على مراقبة الأماكن الغابوية، وبالتعاون مع أبناء المجتمع المحلي، بحيث لن يسمح بالتنزه العشوائي فيها، بل بطريقة منظمة ومقابل رسوم مالية محددة، والتي تعود بالنفع عليهم.
ومن بين المهام التي قد توكل لهذه الجمعيات تحويل المناطق الجرداء إلى أخرى خضراء عبر زراعة الأشجار، تبعا له.
وأضاف لـ “الغد” أن تنمية المناطق اقتصاديا فإن ذلك الأمر سيسهم بحماية المناطق الحرجية والغابات، في وقت لا بد فيه من تفعيل طائرات الدرونز لمراقبة المناطق الحرجية وعلى مدى 24 ساعة.
ونوه ربابعة، إلى أن قطع الأشجار وعلى نحو قانوني يفوق معدله المخالف، والذي يكون ضمن موافقات رسمية، أكانت لغاية بناء المنشآت العامة، أو لاستصلاح الأراضي ذات الملكية الخاصة.  واستذكر ربابعة تاريخ إنشاء دائرة الحراج في الأردن، والتي كانت تتمتع بصلاحيات واسعة إلى حين مطلع عام 1953 عندما تحولت إلى مديرية وتحت مظلة وزارة الزراعة.
وأضاف أن الإيراد الذي كان يتأتى للدائرة، كان يرسل إلى صندوق الحراج آنذاك، لإنفاقها على شراء المعدات والآليات، وهو الأمر الذي تغير الآن، إذ إن كل هذه الأموال ترد إلى خزينة الدولة، لتقل معها النسبة المخصصة لهذه المديرية، عما كان عليه الأمر السابق.
ولفت إلى أن هنالك وثيقة سياسية حرجية مقترحة، أعدت في عام 2006 وتضمنت الإجراءات والمشكلات والحلول، وبالتعاون مع الجهات المعنية المختلفة، لكنها لم تر النور. داعيا إلى إعادة النظر بمنظومة الحراج المتبعة حاليا وبشكلها الشمولي، لإدراج ما يسمى بالإدارة المركزية والمجتمعية، مع إدخال التكنولوجيا، والاستعانة بالمختصين.

فرح عطيات/ الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة