من يخدم المواطن بعد انتهاء الدوام؟ // عمر الدريني

قد تكون الساعة الرابعة عصرًا، وقد يكون المواطن قد أنهى للتو ساعات عمله، لكنه لم ينهِ يومه بعد.
في حقيبته معاملة، وفي هاتفه رسالة تطلب وثيقة، وفي ذهنه موعد لا يستطيع تأجيله، يصل إلى المؤسسة، فيجد الباب قد أُغلق، فيعود أدراجه وهو يعرف أن عليه في صباح اليوم التالي أن يطلب إذنًا من عمله، أو يغيّر مناوبته، أو يخسر جزءًا من دخله، من أجل خدمة قد لا تحتاج في الأصل إلا إلى دقائق.
هنا يبرز سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يستحق أن نتوقف عنده: هل يجب أن تتطابق ساعات تقديم الخدمة دائمًا مع ساعات عمل المواطن؟
السؤال لا يعني أن المؤسسات مطالبة بالعمل طوال اليوم، ولا أن الموظف يجب أن يبقى خلف النافذة بلا نهاية، للموظف حقه في الراحة، وللمؤسسة ساعات عملها، ولأي تطوير للخدمة كلفة تشغيلية وتنظيمية يجب أن تُحسب بعناية. لكن المشكلة تبدأ حين نفترض أن جميع الناس يعيشون وفق الساعة نفسها.
فالموظف الذي يبدأ عمله باكرًا وينهيه بعد الظهر ليس كالعامل بنظام المناوبات، وصاحب المتجر لا يملك دائمًا إغلاق محله لمراجعة دائرة، والأم قد ترتبط بموعد أبنائها ومدارسهم، وكبير السن قد يحتاج إلى أحد أفراد أسرته حتى يتمكن من الوصول إلى مركز الخدمة، فيما قد يقطع مواطن آخر مسافة طويلة قبل أن يصل إلى المكان الذي يريد إنجاز معاملته فيه.
هؤلاء لا يطلبون امتيازًا.
هم يريدون فقط أن يجدوا طريقًا عمليًا إلى الخدمة.
وهنا ينبغي أن يتغير السؤال من: متى تعمل المؤسسة؟ إلى سؤال أكثر ارتباطًا بحياة الناس: متى يستطيع المواطن الوصول إلى الخدمة؟
الفرق بين السؤالين ليس لغويًا فقط، بل هو فرق في طريقة التفكير. فالخدمة الحديثة لا تُقاس بمجرد وجود الموظف خلف النافذة، وإنما بمدى قدرة المواطن على الوصول إليها، وفهم متطلباتها، وإنجازها بأقل قدر ممكن من الوقت والجهد.
ولهذا، قد لا يكون الحل في تمديد الدوام التقليدي في كل مؤسسة، وإنما في إعادة توزيع فرص الوصول إلى الخدمة، موعد إلكتروني يمكن حجزه في وقت مناسب، خدمة رقمية لا تتطلب الحضور، أيام محددة تمتد فيها بعض الخدمات إلى ساعات لاحقة، مراكز تقدم خدمات معينة في أوقات أكثر مرونة، أو حتى إجراءات أبسط تقلل عدد الزيارات التي يحتاجها المواطن.
الفكرة ليست أن تعمل المؤسسة أكثر، بقدر ما هي أن تُتاح الخدمة بطرق أكثر ذكاءً.
فالتحول الرقمي فتح مساحة واسعة لهذا التفكير، لكنه لا يمكن أن يكون الحل الوحيد، ليس كل مواطن قادرًا على استخدام المنصات الإلكترونية بسهولة، وليست كل خدمة قابلة للتحويل الكامل إلى الإنترنت، كما أن بعض المعاملات تحتاج بطبيعتها إلى حضور بشري مباشر، لذلك فإن الخدمة الأكثر مرونة ليست التي تستبدل الشباك بالشاشة فقط، وإنما التي توفر أكثر من مسار، وتترك للمواطن مساحة مناسبة لاختيار الطريق الذي يستطيع استخدامه.
وفي المقابل، فإن المرونة لا تعني الفوضى، على العكس، كلما كانت ساعات الخدمة ومتطلباتها وبدائلها واضحة، أصبح التخطيط أسهل للمواطن والموظف معًا، المواطن الذي يعرف مسبقًا ما يحتاجه، وأين يذهب، وهل يستطيع إنجاز معاملته إلكترونيًا، ومتى تتوافر المواعيد، لن يضطر إلى تكرار الزيارة أو الوقوف في طابور لم يكن بحاجة إليه أصلًا.
وهنا تظهر قضية أعمق من مجرد ساعات الدوام: عدالة الوصول إلى الخدمة.
فالعدالة لا تعني بالضرورة أن يحصل الجميع على الخدمة بالطريقة نفسها وفي الوقت نفسه، وإنما أن تكون الخدمة مصممة بحيث لا تجعل ظروف العمل أو العمر أو البعد الجغرافي أو المسؤوليات الأسرية عائقًا غير ضروري أمام الوصول إليها.
المشكلة، إذن، ليست أن المؤسسة تغلق أبوابها في وقت محدد؛ فلكل مؤسسة نظامها وساعاتها.
المشكلة حين يُغلق الباب، دون أن يكون هناك طريق آخر.
وفي زمن أصبحت فيه التكنولوجيا قادرة على اختصار المسافات، وتغيير طريقة تعامل الناس مع المؤسسات، ربما لم يعد السؤال الأهم: هل يمكن أن نقدم الخدمة؟
بل: كيف نجعل الوصول إليها ممكنًا لمن لا يستطيع الحضور في الوقت التقليدي؟
قد تكون هذه إحدى علامات الإدارة الحديثة: أن ننظر إلى الخدمة من الجهة الأخرى من النافذة، وأن نتذكر أن الشخص الواقف أمامها ليس مجرد رقم معاملة.
إنه إنسان لديه عمل، وأسرة، وموعد، والتزامات، ووقت محدود.
وحين نصمم الخدمة ونحن نتذكر هذه الحقيقة، فإننا لا نمنح المواطن ساعات إضافية فحسب؛ بل نعيد إليه شيئًا لا تعوّضه أي معاملة إلكترونية أو ورقة رسمية:
جزءًا من يومه.

