موعد في السادسة // سعيد ذياب سليم

كانت الشمس قد صعدت إلى كبد السماء واشتدت حرارتها عندما وصَلْتُ إلى موقف “السرفيس”. تقاذفني السائقون من مركبة إلى أخرى حتى بلغتُ مقدمة الطابور.
كانت سيدة تهم بالجلوس في المقعد الخلفي، فانتظرتها لأجلس إلى جوارها، لكنها أشارت إليّ بطريقة مسرحية أن أتخذ المقعد الأمامي بجوار السائق.
جَلَسْتُ حيث أشارت لي، ناولْتُ السائق الأجرة، فدسّها في حافظته دون أن ينظر إليها أو يعيد الباقي. لم يقل شيئًا، لكن خيّل إليّ أن ملامحه تختصر العبارة كلها: لا تسأل.
أدرت وجهي إلى النافذة، متشاغلًا.
ما إن اكتمل عدد الركاب حتى اندفع السائق بين المركبات المتزاحمة، يطلق الزمامير والعبارات الغاضبة على الطريق ومن فيه. بدا وكأنه يضيف إلى الجو المشبع بالدخان والضجيج والضجر بصمته الخاصة، وهو يخوض معركة صغيرة للفوز بأمتار قليلة من الإسفلت.
وبينما كُنْتُ أتابع هذه المعركة اليومية، قطع تأملاتي صوت السيدة الجالسة خلفي، وقد حَجَزَتْ مقعدين لها ولما تحمله من أغراض. بدأت تجري مكالمات هاتفية بصوت إذاعي لا تخطئه الأذن. كانت تطلب رقمًا من أحدهم، ثم تتصل بآخر، ثم تُرتِّبُ موعدًا مع ثالث. لم أكُن أسترق السمع، بل إن طريقتها الاستعراضية في الحديث جعلت الركاب جميعًا شركاء في متابعة نشاطاتها الاجتماعية.
في إحدى المكالمات طلبت من شخص ما أن يرسل أحد أطفاله إلى الشارع الرئيسي ليتسلم منها غرضًا. ثم انتقلت إلى مكالمة أخرى ألقت فيها السلام مرة، ثم ثانية، ثم ثالثة، وبين كل مرة وأخرى ثوانٍ من الانتظار، كأن الطرف الآخر لا يسمعها أو يتعمد التأخر في الرد.
تصورْتُ الرجل على مكتبه منهمكًا في حديث مهم عندما ظهر رقمها على شاشة هاتفه. هل كانت مسجلة لديه باسم “حبة الفؤاد”، أم “ست البيت”، أم بأحد تلك الألقاب التي تخفي بين حروفها سنوات طويلة من العِشْرَة؟ أو ربما خصص لها نغمة مميزة، كما فعل أحد أصدقائي الذي كان هاتفه يصدح كلما اتصلت به زوجته بمقطع لفيروز: “الغضب الساطع آتٍ وأنا كلي إيمان”، فيشير إلينا أن نصمت قبل أن يستقبل المكالمة بقدر كبير من الرقة.
لم أسمع رده، لكنني سمعتها تقول:
ــ متى ستعود إلى البيت؟
ثم بعد لحظات:
ــ أحسن… في السادسة أحسن. سأقوم بإعداد مَنْسَف اليوم.
كادت جملتها الأخيرة أن تصاحبها في خيالي موسيقى انتصار كتلك التي ترافق ظهور البطل في نهاية الأفلام.
ــ إلى اللقاء.
وأَغْلَقت الهاتف.
لكن الكلمة الأخيرة ظلت تتردد في رأسي بسخرية خفيفة:
مَنْسَف… مَنْسَف… مَنْسَف.
عدت إلى متابعة المشاهد التي كان الطريق يلقي بها على نافذة المركبة، مفكرًا فيما سأتناوله عندما أصل إلى البيت. كُنْتُ قد خرجت على عجل ذلك الصباح، ولم أتناول سوى فنجانٍ من القهوة سريعة الذوبان وقطعة من المقرمشات، وها أنا أعود حاملاً ربطة من خبز الطابون، أُمَنِّي نفسي بوجبة لذيذة تسكت احتجاج المعدة.
وحين اقتربتْ محطتي واستعددت للنزول، طلبت السيدة من السائق أن يتوقف قليلًا. قالت إن طفلة ستأتي لتأخذ غرضًا ولن تتأخر.
نزلْتُ من المركبة في الوقت الذي كانت فيه طفلة صغيرة تقترب من النافذة. مدت السيدة يدها وسلمتها لفافة صغيرة، فانطلقت الطفلة تعدو واختفت بعد لحظات.
لم تكن اللفافة كبيرة، بالكاد احتواها كفّا الطفلة، لكنها أُحكم لفُّها بعناية توحي بأنها تحمل فرحًا.
وقفت أراقب المشهد، وقد وُلِدَ في رأسي ألف سؤال.
لماذا سُلّمت تلك اللفافة بهذه الطريقة المسرحية؟ وهل كانت جزءًا من طقوس إعداد المنسف؟
من تكون تلك السيدة؟
وإلى أين كانت ذاهبة؟
وكيف انتزعت لنفسها فسحة من الوقت تمتد حتى السادسة مساءً؟
أدركت أنني لا أعرف عنها شيئًا تقريبًا، ومع ذلك كُنْتُ قد نسجت لها زوجًا وبيتًا ومنسفًا وموعدًا عند السادسة.
ثم أسرعتُ الخطى نحو البيت، لأُعِدَّ “منسفي” الخاص.
سعيد ذياب سليم

