نجمة سباعية في سماء العالم … هنا الأردن، هنا النشامى// محمد متعب الفريحات

هناك لحظات تمر في عمر الأوطان فتغدو أكبر من حدث وأبقى من ذكرى، لحظات يتوقف فيها الزمن قليلا ليمنح شعبا بأكمله فرصة أن يرى حلمه ماثلا أمام عينيه. هكذا كان ظهور الأردن في كأس العالم. لم تكن مباراة كرة قدم فحسب، بل موعدا مع التاريخ، ونافذة واسعة أطل منها الوطن على العالم بكل ما يحمله من عزة وكبرياء وأصالة.

منذ الساعات الأولى لذلك اليوم، بدا الأردن وكأنه يعيش على نبض واحد. العيون معلقة بالشاشات، والقلوب تسبق عقارب الساعة نحو لحظة البداية. وفي الجهة الأخرى من العالم، كان الأردنيون الذين عبروا البحار والقارات يحملون أعلامهم وأهازيجهم ومحبتهم وعشقهم للوطن، ليحولوا مدرجات الملعب إلى مساحة أردنية نابضة بالحياة والانتماء. كان الجميع ينتظر تلك اللحظة التي يسمع فيها اسم الأردن بين الكبار، ويرى رايته ترفرف في أكبر محفل كروي على وجه الأرض.

وحين ارتفع العلم الأردني على أرض الملعب وانطلقت أنغام السلام الملكي، اختلطت مشاعر الفخر بالدموع، وشعر كثيرون أن تلك الثواني تختصر سنوات طويلة من الحلم والانتظار. لم يكن العلم مجرد راية ترفرف في الهواء، بل كان حكاية وطن كامل يقف بين الأمم مرفوع الرأس، معلنا حضوره بثقة واستحقاق، فيما كانت المدرجات تردد اسم الأردن بمحبة لا تحدها المسافات.

دخل النشامى المباراة كما يدخل الرجال إلى المواقف الكبرى، بثبات وإيمان وشجاعة. لم ينظروا إلى أسماء المنافسين ولا إلى حجم التحدي، بل لعبوا بروح من يعرف أن تمثيل الوطن شرف لا يضاهيه شرف. وفي كل لمسة للكرة كان هناك شعب كامل يعيش معهم التفاصيل، وكأن الملايين يخوضون المباراة ذاتها من خلف الشاشات، يحملون الدعاء في قلوبهم والأمل في عيونهم.

ثم جاءت اللحظة التي انتظرها الجميع. عانقت الكرة الشباك فانفجرت معها الأفراح في كل مكان من حدود الوطن . ارتفعت الزغاريد، وتعالت الهتافات، وامتلأت القلوب بشعور يصعب وصفه بالكلمات. لم يكن هدفا عاديا في مباراة عادية، بل كان لحظة إعلان حضور، ورسالة وصلت إلى العالم كله بأن الأردن حاضر بين الكبار، وأن أبناءه قادرون على صناعة الفرح وكتابة التاريخ حين تحين اللحظة.

ورغم الخسارة أمام النمسا، بقي المشهد أكبر من النتيجة وأعمق من لغة الأرقام. فبعض المباريات لاتختصرها صافرة النهاية ،لانها تفتح ابوابا جديده للأمل وتمنح الشعوب اسبابا اضافية للايمان باحلامها . وما يعيشه الاردنيون اليوم ليس استذكارا للحظة مضت، بل معايشة لحلم مازال يكبر مع كل خطوة يخطوها النشامى. فالمشوار لم ينته بعد ، والراية التي ارتفعت بين كبار العالم مازالت تواصل رحلتها نحو محطات جديده من المجد والطموح.

ستبقى تلك الليلة حية في الذاكرة كلما رفرف العلم الأردني في سماء جديدة، وكلما تذكر الأردنيون كيف وقف وطنهم أمام العالم بثقة وكبرياء. لم تكن مباراة وانتهت، بل كانت بداية حكاية أكبر من نتيجة وأبقى من مباراة. حكاية شعب تعلم منذ طفولته أن يبقي رأسه مرفوعا مهما اشتدت الرياح، وأن الكرامة ليست شعارا يقال بل إرثا يتوارثه الأبناء عن الآباء. هنا الأردن… هنا النشامى… أبناء الأمهات اللواتي هدبن الشماغ الأحمر بأيديهن، وغزلن في القلوب معنى الوطن، وربين جيلا يعرف أن الرايات لا ترتفع وحدها، بل يرفعها رجال صنعتهم الكرامة، وطبعهم الكرم، وآمنوا أن الأردن يستحق دائما أن يكون في القمم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة