نرعى أبناءنا … فهل نُربّيهم؟ // الأستاذ عبدالحميد المومني

قد ننجح في توفير كل ما يحتاجه أبناؤنا لأجسادهم ، لكن السؤال الأهم : ماذا قدّمنا لعقولهم وقلوبهم ؟ وهل نحرص أن يكبروا بقيمٍ تحميهم حين يغيب عنا حضورنا ورقابتنا ؟
في زمنٍ تتسارع فيه وتيرة الحياة ، أصبح كثير من الآباء والأمهات يظنون أن توفير الطعام واللباس والعلاج والتعليم المدرسي لأبنائهم يعني أنهم أدّوا واجبهم كاملًا تجاههم . لكن الحقيقة أن ما يقومون به — مع أهميته — يُسمّى رعاية وليس تربية .
الرعاية تعني تلبية احتياجات الطفل الجسدية من طعام ولباس وصحة وأمان ، وهي أساس لا غنى عنه ، أما التربية فهي بناء الإنسان من الداخل في عقيدته وأخلاقه وسلوكه وطريقة تفكيره ، وقدرته على تحمّل المسؤولية واحترام الآخرين.
الرعاية تصنع طفلًا مرتاحًا ، أما التربية فتصنع إنسانًا صالحًا ومتزنًا ، للأسف كثير من المشكلات السلوكية اليوم لا تعود إلى نقص في الرعاية ، بل إلى غياب التربية الحقيقية ، فنحن نهتم بالمدارس والأنشطة ، لكننا لا نتابع ماذا يشاهد الأبناء ولا كيف يفكرون ، ولا ماذا يحملون في قلوبهم.
التربية ليست أوامر فقط بل قدوة يومية وحوار وحدود واضحة وتعليم للحرية المسؤولة وتحميل للنتائج ، ومع انتشار الشاشات أصبحت التربية أصعب ، وأصبح بناء وعي داخلي ضرورة لا خيارًا.
إن من يكتفي بالرعاية ويهمل التربية ، كمن يسقي الشجرة ولا يقوّمها حتى تستقيم ، فلنسأل أنفسنا : هل نرعى أبناءنا فقط … أم نربّيهم حقًا ؟ لأن التربية أمانة وبها يُصنع المستقبل.
أبناءنا لا يحتاجون فقط إلى من يُطعمهم ويكسوهم ، بل إلى من يزرع فيهم الضمير ، ويعلّمهم كيف يختارون الصواب حين لا يراهم أحد. فالرعاية واجب ، أما التربية فهي رسالة تصنع المستقبل الذي نرجوه لأبنائنا.

