نوادي كبار السن النهارية.. حاجة نفسية وضرورة إنسانية لمواجهة العزلة

عمان– عادت فكرة إنشاء نواد حكومية نهارية لكبار السن إلى الواجهة، وتصدرت مؤخرا النقاش عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بعد إعلان وزيرة التنمية الاجتماعية وفاء بني مصطفى قرب افتتاح أول ناد نهاري حكومي في محافظة مادبا.
هذه الفكرة الرائدة، يتمنى كثيرون تطبيقها وتعميمها في كل المحافظات، خاصة إذا كانت تفي بالحاجة وتلبي رغبات كبار السن في العديد من مناطق المملكة التي قد تفتقر إلى وجود أماكن مناسبة لمن هم في مرحلة “الشيخوخة” أو كبار السن بشكل عام، لتمكينهم من قضاء وقت يتناسب مع حاجتهم للترفيه والرعاية النهارية.
وكانت بني مصطفى قد أكدت، خلال إيجاز صحفي بمشاركة عدد من الوزراء للإعلان عن تفاصيل البرنامج التنفيذي للحكومة للأعوام 2026-2029، أنه تم البدء بإنشاء نواد حكومية نهارية لكبار السن لا تهدف إلى الإيواء، وإنما إلى توفير بيئة صحية وآمنة، كما ذكرت أنه سيتم خلال العام الحالي افتتاح أول ناد نهاري حكومي لكبار السن في محافظة مادبا.
أنشطة متنوعة مناسبة لكبار السن
الفكرة تم طرحها من قبل وزارة التنمية الاجتماعية قبل أعوام عدة، إذ تم الإعلان عن إقامة نواد في العام 2023، في حين شهد العام 2025، وبمناسبة يوم مدينة عمّان، افتتاح النادي النهاري لكبار السن في مركز وادي الحدادة الاجتماعي، وتميز بحضور لافت لكبار السن، مع توفر أنشطة متنوعة تتناسب ومراحلهم العمرية المختلفة.
هذا القرار، الذي قد يستفيد منه نسبة كبيرة من فئة كبار السن في المجتمع الأردني، يأتي في وقت يشكل فيه كبار السن (60 سنة فأكثر) ما نسبته 5.5 % من إجمالي سكان الأردن، وفقا لبيانات دائرة الإحصاءات العامة، وهي نسبة بحاجة إلى وجود خدمات ومرافق اجتماعية مخصصة لهم. وذلك على الرغم من أن هذه المرحلة العمرية، أيضا وفق دراسات عالمية، باتت تعد من فئة “الشباب المتقدم”، لغاية سن 64.
ولكن، ما الآثار النفسية والتربوية والمجتمعية التي يمكن أن تنعكس جراء وجود الأندية النهارية لكبار السن، خاصة إذا كانت منظمة وتحت رعاية رسمية متكاملة؟
المبادرة ستشهد دعما مجتمعيا
هذا ما تبينه خبيرة الإرشاد النفسي الأسري والتربوي الدكتورة سعاد غيث، بقولها إن هذه الفكرة ستلقى قبولا وإقبالا واضحا من المجتمع المحلي، سواء من كبار السن أنفسهم أو من عائلاتهم والمحيطين بهم. وتشير إلى أن هذه المبادرة ستشهد مساهمة مجتمعية داعمة، خاصة إذا تم نشر الفكرة والتعريف بها بشكل صحيح، وتوعية الناس بوجود هذه الأندية وأهدافها.
وتؤكد غيث أن هذه الفكرة الرائدة ليست مجرد مشروع خدماتي، بل استثمار اجتماعي طويل الأمد، يعزز الصحة النفسية، ويقوي شعور كبار السن بالقيمة والأهمية والانتماء، كما يخفف العبء عن العائلات، ويعيد دمج كبار السن في المجتمع بكرامة واحترام. ومع مرور الوقت، سيصبح رواد النادي أكثر حرصا على التفاعل مع المجتمع المحلي.
ومن شأن هذه المراكز أن تشكل شبكة جديدة من العلاقات والتفاعلات الاجتماعية مع أشخاص من الفئة العمرية نفسها، يتبادلون معهم الخبرات والذكريات ويقضون وقتا مريحا وممتعا في بيئة مشتركة يفهمون بعضهم بعضا فيها بشكل أعمق، بحكم التقارب الزمني والتجارب الحياتية المتشابهة. هذا التفاعل يولد شعورا بالألفة، ويعزز التواصل والانسجام بينهم، بحسب غيث.
المسن وتخطي العزلة المنزلية
ومن جهة أخرى، تعتقد غيث أن هذه الأندية تسهم في تخفيف العبء عن العائلات التي ترعى المسنين، حيث لا يعود العبء كاملا على الأهل في توفير الأنشطة أو إخراج المسن من المنزل أو شغل وقته، بل يصبح هذا الأمر منظما ومعدا مسبقا من خلال جهة مسؤولة، تشرف على هذه المراكز.
كما أن الترفيه في هذه المرحلة العمرية حاجة إنسانية أصيلة، وليس أمرا ثانويا أو غير مهم؛ فالترفيه، وما يصاحبه من علاقات اجتماعية دافئة، وأنشطة منظمة، وروتين يومي إيجابي، يساعد المسن على الخروج من العزلة المنزلية، وممارسة أنشطة في بيئة داعمة تعزز جودة حياته.
وتقول غيث: “المسنون بطبيعتهم يحبون الحديث، واسترجاع الذكريات، ومشاركة الخبرات”، وهذا ما ترى أنه يمكن أن يتوفر لكبار السن على اختلاف مراحلهم العمرية، إذ يجدون متعة كبيرة في الجلوس مع أقرانهم من الجيل نفسه. وهذه التفاعلات تمنحهم حافزا نفسيا وحركيا، وتجدد إحساسهم بالحياة.
تعزيز الصحة النفسية في بيئة آمنة
وتؤكد الكثير من الدراسات في مجال الصحة النفسية أن العلاقات الاجتماعية الدافئة والقريبة تعد من أهم عوامل تعزيز الصحة النفسية في مرحلة ما بعد الرشد، وأن توفير بيئة آمنة ومشجعة لتبادل المشاعر الطيبة والخبرات الحياتية من خلال هذه الأندية يمثل فرصة حقيقية لدعم المسنين والارتقاء بجودة حياتهم.
ولأهمية هذا القرار وتطبيقه على مراحل في مختلف مناطق المملكة من الناحية المجتمعية، يرى خبير علم الاجتماع الدكتور حسين خزاعي، أن فكرة المراكز النهارية لكبار السن من أهم المواضيع الحيوية والمهمة، و”تمثل خطوة مهمة وفي الاتجاه الصحيح لخدمة الأفراد وتعزيز اندماجهم في المجتمع”.
وتكمن أهميتها، وفق خزاعي، في أنها تسهم في إخراج المسنين من دائرة العزلة، وتشجعهم على التفاعل مع فئات أخرى من المجتمع، إذ يتعرفون من خلالها على آخرين من أقرانهم، يتبادلون الخبرات، ويقدمون خدمات اجتماعية وإنسانية متنوعة.
الروابط الاجتماعية وتقوية روح التكافل
كما يبين خزاعي أن هذه المراكز، الواقعة تحت مظلة وزارة التنمية الاجتماعية، يمكن أن تتيح فرصا للتعاون المشترك، مثل تنظيم زيارات ميدانية أو زيارات متبادلة بين الأفراد، مما يعزز الروابط الاجتماعية ويقوي روح التكافل. وأهم ما في الأمر أنها تساعد على كسر العزلة الاجتماعية، وهي من أبرز المشكلات التي يعاني منها كثير من كبار السن في مجتمعنا، حيث يشعر البعض بعدم وجود تواصل أو اهتمام بهم.
ويعول خزاعي في نجاح هذه المراكز في المجتمع الأردني على طبيعة الخدمات التي يمكن أن تقدم لهم، من برامج وأنشطة داخلية مفيدة، بحيث يستطيع المشاركون من خلالها تعلم الكثير من المهارات والمعارف، الأمر الذي ينعكس إيجابا على صحتهم النفسية والاجتماعية.
ولكونها متعاونة في العديد من البرامج الخدمية التي تقدمها الجهات المختصة بفئات المجتمع وكبار السن، تقول غيث إن أبرز الآثار التي يتحدث عنها المختصون لهذه المراكز هي “الأثر النفسي والاجتماعي المتوقع على المسنين”، من حيث “تعزيز الشعور بالقيمة والأهمية والانتماء. أيضا، الحد من العزلة والوحدة، تحسين الصحة النفسية من خلال العلاقات الاجتماعية الدافئة، بناء شبكات اجتماعية جديدة، وإحياء الدافعية للحياة”.
التشجيع على تجربة هذه الأندية
ولكن، ما الذي يجب على الوزارة مراعاته لضمان نجاح التجربة؟، تقول غيث في ذلك إن التوعية والترويج المنظم لفكرة النوادي يعدان من العوامل الأساسية، وذلك من خلال القنوات الرسمية، والإعلانات في الشوارع، والصحف الإلكترونية، والإذاعات والتلفزيون، وعدم الاكتفاء بوسائل التواصل الاجتماعي، لأن شريحة كبيرة من المسنين غير نشطة أو غير واعية بشكل كاف بهذه المنصات.
كما تتمنى غيث أن يكون للمجلس الوطني لشؤون الأسرة دور داعم لهذه الفكرة، وتقديمها كخطوة مجتمعية جديدة وغير مألوفة سابقا، مع أهمية طرحها بوصفها “تجربة” قبل الحكم عليها، وتشجيع الناس على تجربة الأندية أولا قبل تكوين أي موقف، من خلال إبراز قصص وتجارب المسنين الذين التحقوا بهذه الأندية.
ويتفق خزاعي مع غيث على أهمية تفعيل دور الإعلام لإظهار هذه التجارب كنماذج إيجابية، مبينا أن نجاح التجربة هو أقوى دعاية لها، وهو العامل الأبرز في تحفيز الأهل والمسنين معا. كما يشدد على أهمية دمج الجهات التعليمية والمتخصصة في هذه التجربة، من خلال إشراك حقول التعليم في إطار التطوع والتدريب الميداني، كما في تخصصات “الخدمة الاجتماعية، والإرشاد النفسي، وعلم النفس”.
ضرورة تحديد الاحتياجات الحقيقية
ويشار إلى أن من أهم ما يدعم الفكرة على أرض الواقع أيضا “طبيعة الأندية والأنشطة المقدمة”، بحيث لا تكون مجرد أماكن للجلوس أو الحديث فقط، بل تتضمن أنشطة وفعاليات منظمة، وبرامج يومية واضحة، ومشرفين مختصين، وجداول زمنية محفزة وجاذبة للمسنين، مع ضرورة تحديد الاحتياجات الحقيقية لهم، وعدم الاكتفاء بالافتراضات أو الدراسات فقط، إنما الاستماع إلى المسنين أنفسهم.
وفي سبيل الحد من سلبيات الفراغ الذي يقضيه كبار السن وتبعاته النفسية والجسدية العديدة، تدعو غيث إلى ضرورة وجود خطة لـ”تطوير المهارات لديهم”، ومن أبرزها “المهارات الرقمية”، على سبيل المثال، وغيرها من المهارات الجديدة التي قد تنقصهم.
ولضمان استدامة هذه الأندية، تقترح غيث أهمية بناء “شراكات مؤسسية وفتح قنوات تعاون مع الجهات المعنية”، والاستعانة بمختصين ومتطوعين لتقديم برامج متنوعة، بما يحول الأندية إلى خلية عمل متكاملة لخدمة كبار السن نفسيا واجتماعيا وإنسانيا.

