“هرمز”.. حين تتحول الجغرافيا إلى سلاح في حرب الاستنزاف

عمان – تتجاوز تداعيات الحرب الدائرة مع إيران حدود المواجهة العسكرية المباشرة، لتطال أحد أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي، وهو مضيق هرمز، الذي يشكل ممراً إستراتيجياً لتجارة النفط والغاز والبضائع. وفي ظل التصعيد الإقليمي وتزايد الضغوط الدولية، تتعاظم المخاوف من تحوّل المضيق إلى ما يشبه “سلاح الجغرافيا”، في وقت تتجه فيه المواجهة نحو حرب استنزاف طويلة تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والأمنية.
ويعد مضيق هرمز من أهم الممرات المائية في العالم، إذ يؤدي أي تعطّل في حركة الملاحة فيه إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط والغاز وكلف الشحن البحري لبواخر الحاويات، ما ينعكس مباشرة على سلاسل الإمداد والتوريد العالمية ويؤدي إلى ارتفاع الأسعار وإلحاق ضرر واسع بالتجارة الدولية.
وأوضح أمين عام نقابة ملاحة الأردن الكابتن محمد الدلابيح أن المضيق، الذي يبلغ عرضه نحو 33 كيلومتراً ويصلح للإبحار فيه مسار لا يتجاوز 9 كيلومترات، يربط بين الخليج العربي وخليج عمان ثم بحر العرب، ويقع بين إيران وسلطنة عمان، ما يمنحه أهمية جيوسياسية واقتصادية استثنائية.
وبيّن أن نحو 20 % من تجارة النفط والغاز العالمية تمر عبر المضيق، بما يعادل قرابة 20 مليون برميل يومياً، إضافة إلى عبور ما يقارب 130 باخرة حاويات يومياً، مشيراً إلى أن دولاً صناعية كبرى مثل الصين والهند واليابان تعتمد بشكل كبير على هذا الممر الحيوي في تأمين احتياجاتها من الطاقة.
وأشار الدلابيح إلى أن الدول التي تعتمد على المضيق في تصدير النفط والغاز تشمل إيران والسعودية والكويت والعراق والإمارات وقطر، لافتاً إلى أن نحو 70 % من النفط العابر عبر المضيق يتجه إلى الصين واليابان والهند، فيما يذهب 30 % إلى بقية دول العالم.
وأكد أن إغلاق مضيق هرمز سيشكل معضلة اقتصادية كبرى للدول الصناعية، كما سيؤثر بشكل مباشر على الموانئ اللوجستية في الخليج، خصوصا ميناء جبل علي في دبي الذي يعد مركزا رئيسا لحركة البضائع وبواخر الحاويات، الأمر الذي سيؤدي إلى اضطراب كبير في عمليات الاستيراد والتصدير وسلاسل الإمداد.
وأوضح أن بعض دول الخليج تمتلك بدائل جزئية لنقل النفط، لكنها تبقى محدودة، إذ تستطيع السعودية نقل نحو 5 ملايين برميل يوميا عبر خطوط أنابيب إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، فيما يمكن للإمارات نقل نحو 1.8 مليون برميل يوميا من حقول أبوظبي إلى ميناء الفجيرة عبر الأنابيب.
كما يمكن للعراق تصدير جزء من نفطه عبر ميناء العقبة أو ميناء جيهان التركي، في حين تعتمد الكويت وقطر إلى جانب إيران بشكل شبه كامل على مضيق هرمز في تصدير النفط والغاز.
ولفت الدلابيح إلى أن أي إغلاق للمضيق سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز وكلف الشحن والتأمين البحري، إضافة إلى ارتفاع كلف النقل الجوي والبري نتيجة زيادة أسعار الطاقة، مشيرا إلى أن العديد من شركات التأمين رفعت بالفعل أقساط التأمين المتعلقة بمخاطر الحروب، ما دفع شركات الملاحة إلى زيادة كلف الشحن بما يتراوح بين 1500 و3000 دولار للحاوية الواحدة، ونحو 4 آلاف دولار للحاويات المبردة.
بدوره، وصف الخبير الاقتصادي زيان زوانه تعطل حركة التجارة عبر مضيق هرمز بأنه أحد أبرز أمثلة “سلاح الجغرافيا” أو “سلاح المضائق”، موضحا أن تداعيات الحرب على إيران بدأت تتجاوز حدود المنطقة لتتحول إلى أزمة عالمية يتابعها صناع القرار السياسي والاقتصادي في مختلف دول العالم.
وأشار زوانه إلى أن توقف إمدادات النفط والغاز من أكبر الدول المصدرة لهما سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة وكلف شحن وتأمين معظم السلع في العالم، ما سيؤثر على تدفق سلاسل التوريد ويطال السلع الأساسية ومدخلات الإنتاج في مختلف القطاعات الصناعية.
وأضاف أن هذه التداعيات قد تمتد إلى القطاع الزراعي أيضا، إذ قد تتباطأ تدفقات مواد أساسية مثل الكبريت والأمونيا المستخدمة في صناعة الأسمدة، ما قد يؤثر على الإنتاج الزراعي في العديد من دول العالم.
وأكد زوانة أن مضيق هرمز أصبح نموذجا واضحا لدروس الجغرافيا السياسية والاقتصاد السياسي، لافتا إلى أن الأردن ما يزال حتى الآن في وضع مطمئن نسبيا بفضل تنوع اقتصاده وتعدد مصادر الطاقة، إلى جانب موقعه الجغرافي الذي يعزز دوره كمركز لوجستي للنقل البري الذي لم يتأثر بشكل مباشر بالتطورات الأخيرة.
وشدد على أهمية تعزيز الدور اللوجستي للأردن وتوسيع الاعتماد على الطاقة المتجددة والصخر الزيتي بوصفها عناصر أساسية في منظومة الأمن الاقتصادي الوطني، داعيا في الوقت ذاته إلى إعداد خطط للتعامل مع أسوأ السيناريوهات المحتملة، مع ضرورة تجنيب الأردن الانجرار إلى تداعيات الصراع.
في المقابل، يرى محللون سياسيون أن المواجهة مع إيران تتجه نحو مرحلة أكثر تعقيدا، حيث تتحول تدريجيا إلى حرب استنزاف طويلة تتداخل فيها الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية.
وفي هذا السياق، قال الباحث والخبير في الجيوسياسة الدكتور عامر السبايلة إن هناك ضغوطا جدية تمارس حاليا لوقف الحرب، إلا أن الرؤية الأميركية تبدو متجهة نحو نقل المواجهة إلى الداخل الإيراني عبر إضعاف قدراته الاقتصادية وتفكيك بنية النظام.
وأشار السبايلة إلى أن المرحلة التي أعقبت استهداف البنية التحتية العسكرية قد تتجه نحو ممارسة ضغوط مباشرة على الداخل الإيراني، بحيث يجد النظام نفسه أمام واقع اقتصادي وسياسي شديد التعقيد يصعب تجاوزه.
من جهته، اعتبر أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة الألمانية الأردنية الدكتور بدر الماضي أن ما يجري في المنطقة يمكن وصفه بحرب استنزاف شاملة تطال مختلف الأطراف، مبينا أن الولايات المتحدة تخوض مواجهة متعددة الأبعاد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، في الوقت الذي تتعرض فيه إيران لاستنزاف مماثل.
وأضاف أن الولايات المتحدة وإسرائيل باتتا في منتصف الطريق في هذه المواجهة، ما يجعل التراجع عن المسار المعلن أمرا بالغ الصعوبة، في حين أن أي اعتراف إيراني بالهزيمة قد يعني عمليا نهاية النظام السياسي القائم منذ عام 1979.
ويرى الماضي أن السيناريو الأقرب يتمثل في استمرار الضغوط الأميركية عبر حصار اقتصادي وجوي وبري، إلى جانب محاولة السيطرة على حركة النفط في مضيق هرمز، بما يزيد الضغوط الداخلية على إيران ويفتح الباب أمام تحركات داخلية قد تؤثر في بنية النظام.
وأشار إلى أن هذا النموذج يعيد إلى الأذهان تجربة الضغوط التي مارستها واشنطن على العراق بين عامي 1991 و2003، مع الإقرار بأن الظروف الحالية تختلف وأن قدرات إيران السياسية والعسكرية والاقتصادية لا يمكن مقارنتها بالعراق آنذاك.
بدوره، قال المحلل السياسي المختص بالشأن الإسرائيلي عصمت منصور إن المشهد الدولي يعكس حالة من خيبة الأمل بعد تراجع التوقعات بإمكانية تحقيق تحول سريع في الداخل الإيراني، مشيرا إلى أن مسار المواجهة بات أكثر تعقيدا وطولا مما كان متوقعا.
وأضاف أن الولايات المتحدة بدأت بالفعل العمل على تشكيل تحالف دولي لتأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز، في محاولة لإظهار قوة ردع واضحة أمام إيران ومنعها من استخدام المضيق كورقة ضغط إستراتيجية.
ولفت منصور إلى أن الحديث عن تسويات أو مفاوضات ما يزال بعيدا في ظل اتساع الفجوة بين الأطراف، رغم وجود تحركات دبلوماسية تقودها بعض القوى الكبرى، بما في ذلك مساع روسية وصينية وإمكانية عقد لقاء أميركي– صيني قد يفتح الباب أمام تفاهمات جديدة.
ومع استمرار الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية، يرى مراقبون أن السيناريو الأكثر ترجيحا يتمثل في إطالة أمد المواجهة عبر سياسة الإضعاف التدريجي للنظام الإيراني، في وقت يبقى فيه مضيق هرمز أحد أبرز مفاتيح الصراع الجيوسياسي والاقتصادي في المنطقة والعالم.

