همسةٌ في القلب: ليستْ ختامَ طاعةٍ، بل بدايةَ انطلاق // د. عامر توفيق القضاة

 

“فإذا فرغتَ فانصب”: دعوةٌ إلهيةٌ، وتوجيهٌ ربّانيٌّ عالٍ إلى جناب النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، ولأُمّته تكليفاً وتشريفاً:
إذا فرغتَ من عِبادةٍ جليلةٍ فاشرع في عبادة جديدةٍ، ولا تُسْلم نفسك للأماني، بل قُدْها إلى تزكيةٍ تُفلحْ، فإنّه “قد أفلحَ مَن زكّاها”، واحذر! فإنّه “خاب مَن دسّاها”.

مع تنبيهٍ لطيفٍ يحمل بين طيّاته أعمق صور الرأفة والودّ الإلهي:

أنْ إيّاك أن تكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوةٍ، فهذا مما لا يليق ممن تذوق حلاوة الإيمان والقرب، فلا تركن إلى الغفلة وجفاء البُعد، فامضِ… وابدأ من جديد، وقف متسائلاً:

-هل شرَعتَ بختمةٍ قرآنيةٍ جديدةٍ قراءةً وفهماً وتدبّراً وتخلّقاً؟

-أم هل أضمرتَ في نيّتك أن تصوم يوماً أو أكثر من كل شهرٍ لعل الله يباعد بينك وبين النار سبعين خريفاً؟

-أم حدّثتَ نفسك أن تُخرج كل شهرٍ صدقةً -بمقدار صدقة الفطر الرمضانية- عنك وعمّن تعول؛ لعلها تكون طهرةً لنفسك من الشحّ، ونماءً لمالك بعد نقصٍ؟

-أو عزمتَ على أن تختم ليلتك بقيامِ ركعتين خفيفتين كلّ ليلة تُحاكي ما دَأبتْ عليه جوارحُك، وكانت فيها أقدامُك لله واقفةً صافّةً بين صفوف المصلين القائمين في التراويح؟

-ويكأنّك قررت أن تستفتح نهارك بركعتي الضحى كي تؤدي صدقاتك على كل سُلامى من سلاميات جسدك، فتكون قد أدّيتَ شكرها حبّاً وكرامةً بين يدي ربك، فالله شكورٌ حليمٌ يحب الشاكرين.

-ولعلك تقرر أن تكون لك خلوة، مع نقاء وطهارة أوقات البركة في الأسحار، ترفع فيها آهات التوبة والاستغفار، وتناجي فيها مولاك وحبيبك الغفار، كما كانت عادتك قبيل الفجر وقت تناولك بركةَ سحورك .

-أم أنّك قلتَ لنفسك عن نبيك صلى الله عليه وسلم وسُنَّته في الأعمال “أدومها وإنْ قلّ”، أو ما ذَكرتْه أمّكَ أمّ المؤمنين رضي الله عنهنّ أنّ الحبيب عليه الصلاة والسلام كانت عادته الطيبة إذا فعل خيراً من الأعمال “أثبَتَه” وداوم عليه!.

-وإنّي لأحسبك في لحظة صيامٍ قد أحسستَ بحاجتك لعطاء ربك، فدعوتَه بقلبٍ منكسرٍ بحاجاتك الخاصة، وهموم أمّتك العامة، وتناولتَ بقلبك عطاء ربك الممدود، فما كان عطاؤه عنك مجذوذاً! فالذي أجابك هو بذاته تعالى يقول لك: عبدي “فإنّي قريبٌ أُجيبُ دعوةَ الداعي إذا دعان”.

-لن استرسل بتعدادِ الأعمال النبوية الدائمة؛ فهي كثيرة متنوعة، لكنني رغبتُ بتذكيرك، تاركاً لقلبك الطهور، وهمّتك العالية ما تقدر عليه، “وذكّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين”.

وهنا ميزان الصدق: كنْ ربَانيّاً، ولا تكنْ رمضانيّاً.

د. عامر توفيق القضاة/ عضو مجلس إدارة جمعية المحافظة على القرآن الكريم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة